توقيف "جزار التضامن" أمجد اليوسف: اختبار حاسم لمسار العدالة في سوريا


هذا الخبر بعنوان "اعتقال جزار التضامن: هل ينجح القضاء في الانتصار للضحايا؟" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعاد توقيف أمجد اليوسف، المتهم بارتكاب جرائم في حي التضامن بدمشق عام 2013، تسليط الضوء على مسار العدالة في سوريا. تأتي هذه الخطوة في ظل توفر أدلة مرئية مباشرة توثق إعدام مدنيين خارج نطاق القضاء، مما يجعلها واحدة من أكثر القضايا توثيقًا خلال سنوات النزاع السوري. ويأتي هذا التطور بعد مرور أكثر من عقد على توثيق منظمات حقوقية وهيئات دولية لانتهاكات واسعة النطاق منذ عام 2011، شملت القتل والتعذيب والإخفاء القسري، دون أن تتحول هذه الملفات إلى مسار قضائي داخلي فعال. وقد شكلت التحقيقات الاستقصائية، لا سيما تلك التي نشرتها صحيفة "الغارديان" عام 2022، نقطة تحول رئيسية، إذ كشفت عن مقاطع مصورة تُظهر عمليات إعدام جماعي في حي التضامن، وأسهمت في تحديد هوية أحد المتورطين، وهو أمجد اليوسف.
عبر القاضي حسين حمادة عن سعادته بالقبض على "اليوسف"، مؤكدًا أن هذه القضية والقضايا المشابهة لها يجب ألا تُدرج ضمن مفهوم العدالة الانتقالية أو الهيئات المشكلة لهذه الغاية. بل يرى ضرورة التركيز على العدالة القضائية القائمة على مبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب. واعتبر حمادة أن تطبيق هذا المبدأ "واجب قانوني وديني وإنساني وأخلاقي ووطني وثوري، يسهم في ترسيخ السلم الأهلي وتعزيز الاستقرار الوطني". وحذر من أن "تجاهل هذا المبدأ أو التراخي في تطبيقه يفضي إلى شعور جمعي بالظلم، ويكرس ثقافة الثأر والانتقام، ويبقي الجراح مفتوحة في الوعي الاجتماعي، بما ينذر بانفجارات مجتمعية ويضع البلاد في مهب الريح".
يرفض حمادة القول إن محاسبة مرتكبي الجرائم تتطلب وجود إطار تشريعي جديد أو شروط مسبقة تتعلق باستقلال القضاء، معتبرًا أن هذا الطرح "في غير محله القانوني". ويشير إلى أن قانون العقوبات السوري نص على عقوبات جسيمة قد تصل إلى الإعدام في الجرائم الخطيرة، وأقر قواعد تتعلق بوقف التقادم وانقطاعه، بما يتيح ملاحقة المجرمين مهما طال الزمن. كما يؤكد أن الحصانة "مُنحت أصلًا للمنصب، وهي مشروطة بغاياته ووظيفته، وليست غطاء لارتكاب الجرائم"، معتبرًا أن الادعاء بعدم وجود إطار قانوني يسمح بالملاحقة "قد يكون ذريعة تسهم في إفلات المجرمين من العقاب".
يرى حمادة أن الادعاء بعدم وجود سلطة قضائية وطنية مستقلة ونزيهة "يشكل اتهامًا صريحًا لوزارة العدل وللسلطة القضائية ككل". ودعا إلى إجراءات عملية، أبرزها:
كما دعا إلى إلزام الجهات التي وثّقت الجرائم بإحالة ملفاتها إلى القضاء السوري "تمهيدًا لتحريك الدعوى العامة"، مشددًا على أن الامتناع عن ذلك قد يعد عرقلة للعدالة. وأشار إلى أن هذه الجهات تشمل منظمات سورية ودولية عديدة، معتبرًا أن ما وثقته "ليس مجرد أرشيف، بل مادة ادعاء جزائي متكاملة"، وأن بقاءها خارج القضاء "يثير تساؤلات حول الإرادة السياسية". وبحسب حمادة، فإن القضاء الوطني هو صاحب الولاية في ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم وله الأفضلية على ولاية المحكمة الجنائية الدولية، خاصة وأن سوريا لم توقع على اتفاقية روما ولم تقبل بولاية المحكمة الجنائية الدولية على الجرائم المرتكبة في سوريا.
من جانبه، يرى فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن توقيف "اليوسف" يعد خطوة إجرائية ذات دلالة رمزية وقانونية معًا. ويوضح أنه، من المنظور الإجرائي، يجب أن تتوافر في هذا التوقيف ضمانات المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما إحالة الموقوف إلى سلطة قضائية مستقلة، والامتناع عن التعذيب أثناء الاستجواب، وفق المادة السابعة من العهد ذاته واتفاقية مناهضة التعذيب.
وبحسب عبد الغني، فإن الوقائع الموثقة في قضية أمجد اليوسف، وفق مقاطع الفيديو التي وثقتها الشبكة وجهات أخرى، تتضمن إعدام مدنيين معصوبي الأعين خارج نطاق القضاء، وإلقاء جثثهم في حفرة. ويدرج عبد الغني هذه الأفعال في سياق هجوم ممنهج وواسع النطاق شن ضد السكان المدنيين في حي التضامن عام 2013، وهو ما يستوفي العتبة القانونية لتعريف الجريمة ضد الإنسانية وفق المادة السابعة من نظام روما الأساسي، وتحديدًا جريمتي القتل العمد والاضطهاد. ووفقًا لعبد الغني، وبما أن هذه الأحداث جرت في سياق نزاع مسلح غير دولي قائم، فإنها تخضع أيضًا لأحكام المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف، ولأحكام المادة 8(2)(c) من نظام روما الأساسي المتعلقة بجرائم الحرب في النزاعات الداخلية، ولا سيما القتل خارج نطاق القضاء. وتصنف الشبكة السورية لحقوق الإنسان هذه الأفعال ضمن الفئتين معًا، من دون أن يلغي أحدهما الآخر، إذ يمكن أن تتوافر الجريمتان في الواقعة ذاتها، كما أكدت محكمة يوغوسلافيا الدولية في سوابق قضائية متعددة.
يرى عبد الغني أنه، من حيث المبدأ، يعد القضاء الوطني المسار الأصلي والمفضل وفق نظام روما الأساسي، إذ يقوم مبدأ التكامل على أسبقية الملاحقة الوطنية ما دامت الدولة قادرة وراغبة في الاضطلاع بها.
تحمل قضية اليوسف خصائص تمنحها قيمة تحفيزية استثنائية لمنظومة المساءلة، فالجريمة مثبتة بأدلة مرئية ومباشرة نادرًا ما تتوافر بهذه الدرجة من الوضوح في ملفات الجرائم الدولية، وهو ما يجعل ملف القضية قابلًا للاستخدام المباشر أمام أي هيئة قضائية أو تحقيقية. وتتابع المنظمات الحقوقية، بما فيها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، هذه القضية لا بوصفها إنجازًا معزولًا، بل باعتبارها اختبارًا لنية السلطة الانتقالية وقدرتها على تطبيق معايير المساءلة.
وفيما يتعلق بالقيمة القانونية لتحقيق "الغارديان"، يرى عبد الغني أن التحقيق لا يعد مجرد مادة صحفية، بل يمثل في جوهره عنصرًا أوليًا بالغ الأهمية في الإثبات. فالمسألة القانونية الجوهرية لا تتعلق بمصدر المادة بقدر ما تتعلق بسلسلة حفظها وخصائصها التقنية. فالفيديو لا يقبل بوصفه دليلًا جنائيًا إلا إذا ثبتت له سلسلة حيازة موثقة، وتحليل جنائي رقمي يثبت عدم التلاعب به، إضافة إلى شهادة المصدرين الأكاديميين اللذين سلماه إلى الصحيفة. وفي الأعراف القضائية الدولية، قبلت المحاكم الأوروبية التي نظرت في ملفات مشابهة مقاطع مصورة وثقتها وسائل إعلام أو منظمات حقوقية، شريطة إثبات موثوقيتها التقنية وعدم انتزاعها بالإكراه. ويؤكد عبد الغني أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان تعمل وفق منهجية التحقق متعدد المصادر والبناء التراكمي للسجلات، وهو ما يكمل عمل الصحافة الاستقصائية من دون أن يغني عنه. ووفقًا لعبد الغني، فإن وثائق "الغارديان" تمثل نقطة انطلاق، فيما يظل التحقق المنهجي المستقل هو الذي يحول المادة الصحفية إلى دليل قابل للاستخدام القضائي، لافتًا إلى أن العبرة ليست بمصدر التوثيق، بل بمدى صمود مصداقيته أمام الاختبار الإجرائي لدى قضاة التحقيق.
يتفق القاضي حسين حمادة وفضل عبد الغني على أن الجرائم المرتكبة في حي التضامن تستوجب المحاسبة، وعلى أن الأدلة متوافرة، وأن إنهاء الإفلات من العقاب بات شرطًا أساسيًا لأي استقرار مستقبلي. لكن الخلاف يتمحور حول الطريق: فبينما يرى حمادة أن القوانين الوطنية القائمة كافية ويجب تفعيلها فورًا، يرى عبد الغني أن هذا التفعيل لا يكتمل دون ضمان استقلال القضاء والالتزام الصارم بالمعايير الدولية. وفي الوقت الذي يدعو فيه حمادة إلى إدخال الأدلة مباشرة في المسار القضائي الوطني، يشدد عبد الغني على ضرورة إخضاعها لشروط الإثبات التقنية لضمان قبولها أمام المحاكم.
لم تعد قضية أمجد اليوسف مجرد ملف قضائي، بل تحولت إلى اختبار لإرادة العدالة نفسها: هل تستطيع المؤسسات تحويل سنوات من التوثيق إلى أحكام، أم يبقى الملف شاهدًا جديدًا على عجز طال أمده؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة