الروائية رجاء بكرية في حوار خاص: من سحر الشعر إلى "برواز شوق" وتأثير حيفا العميق


هذا الخبر بعنوان "دَردشَة مع الرِّوائية رجاء بكرِيّة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في لقاء أدبي مميز، حاور القاص زياد خدّاش الروائية رجاء بكرية على صفحات جريدة الأيّام في راماللّه، وذلك بمناسبة صدور روايتها الجديدة "بِروازُ شَوْق". يستذكر خدّاش ذلك المساء في منتصف التسعينيات أو أواخرها بقليل، حين جاءت الروائية رجاء بكرية إلى راماللّه. يصف كيف هبط أصحابه مسرعين درجات نقابة الصحفيين حيث نادي القصة واندسوا في سيارتها، بينما رآهم هو من شرفة النقابة. رفض الذهاب معهم إلى بيت لحم، لسبب وحيد هو رغبته في التخطيط الأفضل للقاء كاتبة مبدعة صاحبة روايتي "عواء ذاكرة" و"امرأة الرسالة" اللتين كانتا مركز نقاشات المثقفين آنذاك. يعبر عن تردده المعتاد في مقابلة المبدعين الذين عاش طويلاً في عوالم كتبهم.
تواصل رجاء بكرية، المقيمة في حيفا، كتابة وجع الإنسان والمكان وحيرتهما أمام استلابات الواقع الغريب، متخذة من شعرية اللغة الروائية خياراً تدافع عنه بشراسة. عملت في مجالي التدريس والصحافة، وصدر لها قبل أشهر رواية "برواز شوق" عن دار ناشرون وموزعون.
وعن علاقتها بالشعر، تؤكد رجاء أنها لم تأتِ من مكان آخر سواه، فكل حرف في رواياتها يفضح ذلك. ترى أن الإنسان يولد قابضاً على قلم الرصاص ليكتب قلبه أولاً، والقلب ذو مزاج حرّيف يبوح بمشاعره كلاماً مجنحاً. وتضيف أنه حتى عندما يقرر الكاتب ألا يبقى شاعراً، فإنه لا يخرج بسهولة من دوائر الشعر المزركشة، فالقلب المتقلب بطبعه لن يخلي سبيله دون عقوبة، وستظل دفقاته تتبع الكاتب مهما ابتعد عن القصيدة، لينبض بقلم قلبه حتى يقتنع بأن انتشار كلماته على مساحات بيضاء جديدة سيعلي مقامه ويبقيه على قيد السحر في بيته الجديد. وتختتم قائلة: "لم أتخلّص من أنفاسِ الشِّعر في ورقي، استبقيتها كي أُبعثرَها مثلَ شَعرِ البناتِ في خصلاتِ ريحٍ لا تتعبُ من العبث."
وحول مساهمة حيفا في تجربتها الكتابية، لغة وفضاءات وأسئلة، تعبر رجاء عن سحر المدينة قائلة: "بمجرّدِ أن تقولَ حيفا يفِجُّ الغَيمُ موجهُ وغابَ عِطرِهِ الحارِق في الجسد، ولو كنتَ في صحراء قاحلة." وتصف حيفا بأنها شغف لا يتوقف، حيث يسرق المرء فتنة الموج عند النزول إلى المدينة، ويغرف من سحر اللازورد عند الصعود. تذكر كيف درّبت مخيلتها على الحياة فوق ممشى الكرمل، وهناك استدرجت أبطال "عين خفشة" إلى حتفهم، وناورت غسّان صَقِر وهو يقرر اللجوء إلى غزّة هاشِم في روايتها الأخيرة "بِروازُ شَوْق". وتضيف أن شاطئ وادي الجِمال يمكنه أن يتسلق جسر سانت لِوي بخفة بالغة، ساحباً معه الموج والرمل والصدف، ليصبح الجسر مسرحاً لعبث لا يفهمه سوى من اعتاد ملاعبة الغيم بنجوم السماء، مؤكدة أن لحيفا بصمة غائرة في القلب.
وعن الانقطاعات الزمنية في أعمالها، تنفي رجاء اليأس، موضحة أن الانقطاع ضرورة لتجديد خلايا الرغبة. تؤمن بأن الكتابة النوعية يجب أن تعرف مواعيد انحسارها وتوقيت انتشارها، وترفض فكرة التسابق لإنهاء رواية كل سنتين، مؤكدة أن الأدب لا يُكتب بهذه الطريقة. تقول: "أحتاج أن أملأ رئتيّ بالهواء ومزاجي بمخيّلة اصطادتها الصدفة لأجلي." وتصف الرواية بأنها مشروع غواية لا حد لعذوبة عوالمه، تستحق شهوراً من الخربشة والورق الكثير وتجريب القدرة على احتمال الانفعالات، فالكتابة ليست رصيفاً للقزقزة بل للزهوّ، ولذلك لا تحاسب نفسها على الغياب بل تلمّع ابتسامتها ومخيلتها عند العودة بعمل جديد.
وبالحديث عن البدايات، تتساءل رجاء عن اللحظة الأولى التي يغامر فيها الكاتب بكل شيء لتلمع أسماؤه، وعن فكرة الطرد من جنة الحظوة أو نيل الرضا. تعتقد أن أجمل أسماء النقد في الأدب الفلسطيني هي من أضاءت حضورها. تكشف أنها كانت تطمح لأن تصبح مغنية، لكن خللاً ما في نظام الكون جعلها تنغمس في كتابة الشعر في جيل العاشرة. كتبت بشغف بلا هدف، ولم تخطط لتكون كاتبة، لكن اكتشافها لولعها بالكتابة والورق أشعل روحها بالأمل، رغم أن أسرتها لم تكن سعيدة بولادة شاعرة، وربما دفعتها رغبتهم في تنحيها لهجوم غير مسبوق على المطالعة والتجريب.
بدأت رجاء بإلقاء الشعر الوطني في المنصات المدرسية، لكن انفتاحها الحقيقي حدث في الجامعة حيث بدأت تنسج قصصها الأولى. حين قصفها شتاء "عُواء ذاكرة" عام 1995 وكتبت روايتها الأولى، التي شجعها عليها الراحل سميح القاسم، أدركت أن الرواية هي دولتها العتيدة. أحدثت "امرأة الرسالة" فارقاً نوعياً ومصيرياً في مشروعها الحداثي، حيث أرادت أن تكتب رواية لا تشبه أحداً غيرها، تعبر بها إلى قراء وبلاد لا تشبه بلادها الموغلة في عتمة القوانين المشينة بحق الفلسطينيين. خططت ليعرفها العالم العربي عبر خصوصية موقعها السياسي، مؤكدة أنهم أصل البدايات وليسوا خونة أو أجراء، وأن صدور روايتها عن دار الاداب دعم حضورهم كأقلية وكقضية. ومنها عبرت إلى "عين خفشة" ودوامة النكبة التي كُتبت لأول مرة على لسان أصحابها، وتعتقد أن "برواز شّوق" ستكمل تشكيل هويتهم الفكرية في الداخل.
وعن حضور المرأة في أعمالها الروائية، تؤكد رجاء أن المرأة بعينيها هي مركز الكون ونسغ الحياة، وتحتل ورقها كأجيرة ومالكة وملكة، أمية ومثقفة، ومنافسة لسلطة الرجل في كل مكان وزمان. تصفها بأنها باهرة ومحنكة، وفكرها غير قابل للاختراق، وهي من يؤثث عالم بطولاتها وأبطالها، وبدونها لا توجد رواية بعينيها.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة