سوريا: حدثان متناقضان يكشفان عن "قبو نفسي" للمعارضة ويُعيدان ترتيب المشهد


هذا الخبر بعنوان "الخميس والجمعة.. مشهدان لمرحلة واحدة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد المجتمع السوري، خلال يومي الخميس والجمعة الماضيين (23 و24 من نيسان الحالي)، حدثين مفصليين، حمل كل منهما ثقلاً خاصاً وصعوبة في الاستيعاب النفسي. ورغم عدم وجود رابط ظاهري يجمع بين هذين الحدثين الكبيرين، إلا أن تزامن وقوعهما كان لافتاً، وكأن أحدهما جاء ليكمل الآخر أو ليعيد ترتيب آثاره. قد يكون ذلك مجرد مصادفة، أو لحظة تلاقت فيها الأقدار والضرورات، لكن النتيجة كانت واحدة: انتقال سريع من حالة انقسام حاد إلى لحظة إجماع نادرة.
تمثل الحدث الأول في احتفال السلطة السورية بنجاح مساعي الرئيس المؤقت، أحمد الشرع، في إخراج القيادي السابق في "جيش الإسلام" عصام بويضاني من السجن في الإمارات. وقد رافق ذلك انتشار صورة تجمع سمير كعكة مع الشرع في مدينة دوما، وهي صورة بدت لكثيرين صادمة أكثر من كونها سياسية. أعادت هذه الصورة إلى الواجهة واحدة من أكثر مراحل الثورة السورية قتامة، وهي مرحلة الاقتتال الداخلي في الغوطة الشرقية بين "جيش الإسلام" من جهة، و"فيلق الرحمن" المدعوم من "جبهة النصرة" من جهة أخرى.
لم تُستقبل الصورة كخطوة سياسية قابلة للنقاش، بل كاستفزاز لذاكرة لم تُصفَّ بعد، مما دفع الجدل سريعاً إلى مستويات عالية من التوتر. وظهر انقسام حاد داخل الشارع المعارض، بين من قرأها كبراغماتية ضرورية، ومن رآها استهانة بدماء ما يقارب 700 شاب سقطوا في تلك المواجهات.
بعد أقل من 24 ساعة، جاء الحدث الثاني: إعلان اعتقال أمجد يوسف، أحد أكثر الأسماء ارتباطاً بذاكرة العنف في سنوات النظام السابق، والمعروف بما بات يُشار إليه بـ"جزار التضامن". لم يُستقبل هذا الاعتقال كخبر عادي، بل كحدث جامع أعاد، ولو مؤقتاً، نوعاً من الوحدة بين شريحة واسعة من السوريين المعارضين لبشار الأسد. فقد نقلهم من حالة انقسام حاد إلى شعور مشترك بالرضا، أو ما يشبه استعادة لحظة أخلاقية متفق عليها، وكأن هذا الحدث جاء ليعيد ترتيب المشهد، ليس على مستوى الوقائع فحسب، بل على مستوى الشعور الجماعي ذاته.
من زاوية التحليل النفسي، لا يبدو ما جرى مجرد تتابع إخباري، بل حركة نفسية جماعية ذات منطق خاص. فالحدث الأول، بما حمله من استعادة لذاكرة الاقتتال الداخلي، أعاد فتح جرح لم يُغلق أصلاً، ورفع مستوى التوتر داخل الجماعة إلى حد يهدد تماسكها الظاهري. في مثل هذه اللحظات، تدخل الجماعات في حالة توتر نفسي عالٍ، يخلق طاقة انفعالية ذات شحنة سلبية شديدة، حيث يصبح الخلاف الداخلي غير قابل للاحتمال طويلاً، ويهدد بالتحول إلى تفكك فعلي في الروابط والمعاني المشتركة.
باستعارة صورة "القبو النفسي"، يمكن القول إن ما حدث مع صورة دوما لم يكن سوى فتح مفاجئ لباب ظل مغلقاً لسنوات. فذاكرة الاقتتال الداخلي لم تُمحَ، بل أُزيحت إلى الأسفل، إلى منطقة معتمة من الوعي الجماعي، حيث تبقى الأحداث بلا معالجة، لكنها تحتفظ بشحنتها الانفعالية كاملة. وعندما عادت هذه الصور إلى السطح، لم تظهر كذكرى باردة، بل كتوتر حي، كأن الزمن لم يمضِ أصلاً. هنا لا نتعامل مع ماضٍ، بل مع حاضر مكثف، مع مادة نفسية غير مهضومة، تستعيد قوتها كلما فُتح بابها.
في مثل هذه الحالات، يحمل فتح باب القبو خطورة عالية، وتصبح الحاجة ملحة لإغلاقه مجدداً، أو على الأقل لتخفيف ما اندفع منه. وهنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته "تفريغاً انفعالياً جماعياً"، يعيد توزيع هذا التوتر ويمنع تحوله إلى انقسام فعلي. ولا يتم هذا التفريغ عشوائياً، بل غالباً عبر الالتفاف حول موضوع واضح وبسيط وغير خلافي، يُعاد من خلاله توحيد الشعور الجماعي. وهل هناك من موضوع أكثر وضوحاً وبساطة من إجرام أمجد يوسف!
بهذا المعنى، لم يكن اعتقال أمجد يوسف مجرد حدث قضائي، بل أدى وظيفة نفسية أعمق. فقد نقل الجماعة من صراع داخلي إلى توجيه انفعالاتها نحو هدف خارجي متفق عليه، وكأن التوتر الذي كاد ينفجر داخل الجماعة، وجد مخرجاً في لحظة إجماع، أعادت، ولو مؤقتاً، ترميم صورتها عن نفسها.
لكن هذا النوع من التفريغ، على ضرورته، لا يحل الصراع بقدر ما يؤجله. فالقبو الذي فُتح لم يُغلق بشكل كامل، بل أُعيد إغلاقه على عجل، دون معالجة ما بداخله. واعتقال أمجد يوسف، رغم ثقله الرمزي، لن يطوي الصفحة، بل على العكس، سيعيد إلى الذاكرة سلسلة طويلة من الجرائم التي لم تُحاسَب، وسيوسع مساحة ما هو مخزَّن في ذلك القبو.
ومع ذلك، قد يكون هذا الردم المؤقت جزءاً من آلية بقاء. فالمجتمعات، حين تعجز عن مواجهة كل تناقضاتها دفعة واحدة، تلجأ إلى دفن بعضها، إلى تأجيلها، إلى ترك الزمن يقوم بوظيفته في التخفيف والمحو. ليس لأن النسيان حلّ، بل لأنه في لحظات معينة، يصبح ضرورة. ولتجربة مشابهة كان مصيرها الدفن في الأقبية النفسية، يمكن قراءة ما حدث في إقليم كردستان العراق بين عامي 1996 و1998، وكيف حُلّت الأزمة لاحقاً رغم المجازر المرتكبة بين الحزبين الرئيسيين، حيث كان الردم هو الحل الذي جلب الراحة للجميع، أو على الأقل حتى الآن.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة