فيلم "المترجم": صراع الفرد بين اللغة والوطن في مواجهة القمع السوري


هذا الخبر بعنوان "“المترجم”.. الموقف في مواجهة القمع" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقدم فيلم "The Translator" (المترجم) رؤية مغايرة للسينما السياسية المعاصرة، إذ يتجنب المشاهد المباشرة للحرب والدمار، مفضلاً التركيز على زاوية أكثر عمقًا وهدوءًا: تجربة الإنسان الفردي وهو يواجه تمزقًا بين لغتين، ووطنين، وحقيقتين متضاربتين. عُرض هذا العمل، من إخراج الزوجين رنا كزكاز وأنس خلف وبطولة الممثل زياد بكري، خلال افتتاح الدورة الثانية من "تظاهرة أفلام الثورة السورية" في دار "الأوبرا" بدمشق، بتاريخ 19 من نيسان الحالي.
منذ لحظاته الأولى، يطرح الفيلم سؤالًا جوهريًا على المتلقي: هل تمتلك اللغة القدرة على إنقاذ الإنسان، أم أنها قد تكون سببًا في نفيه؟ تبدأ القصة في دمشق خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث يلمح الفيلم إلى الجذور العميقة للقمع السياسي الذي مارسه نظام الأسد، وذلك من خلال مشهد مظاهرة تُقمع بعنف، ويُعتقل خلالها والد بطل الفيلم "سامي". هذا المشهد التأسيسي لا يمر مرور الكرام، بل يزرع في نفس "سامي" شعورًا مبكرًا بالخوف من السلطة، وهو شعور يرافقه طوال حياته.
ينتقل السرد إلى عام 2000، حيث يعمل "سامي نجار" مترجمًا من العربية إلى الإنجليزية ضمن الوفد الأولمبي السوري في مدينة سيدني بأستراليا. وخلال ترجمته لسؤال يحمل أبعادًا سياسية حساسة، يقوم "سامي" بتعديل طفيف في الصياغة، معتقدًا أنه بذلك يحمي نفسه. لكن هذا التعديل يتحول إلى نقطة تحول حاسمة في حياته، تدفعه لطلب اللجوء والبقاء في أستراليا.
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تتغير حياة "سامي" مرة أخرى. يتابع من بعيد مقاطع الاحتجاجات الأولى، التي تحمل نفس الشعارات التي سمعها في طفولته: "بدنا حرية.. بدنا كرامة". لكن الحدث المفصلي يأتي حين يصله خبر اعتقال شقيقه "زيد". هنا، يتحول الصراع من داخلي إلى خارجي، ومن مراقبة عن بعد إلى قرار حاسم بالعودة. يسافر "سامي" سرًا عبر لبنان برفقة الصحفي الأسترالي "تشايس"، الذي يُغتال مع المصور، ليجد "سامي" نفسه في قلب واقع لم يعد يشبه ذكرياته.
يرتكز الفيلم، الذي أُنتج عام 2020 وصُوِّر في أستراليا والأردن، على الأداء المتميز لزياد بكري، الذي يجسد شخصية "سامي" بتوتر داخلي واضح، متأرجحًا بين الخوف والواجب. إلى جانبه، تقدم يمنى مروان شخصية "كارما"، زوجة أخيه المعتقل، التي تمثل الرابط الإنساني والعاطفي داخل الأحداث، وتعمل جاهدة مع "سامي" لإطلاق سراح زوجها. يشارك في العمل أيضًا عدد من الأسماء البارزة، منهم فارس الحلو وسوسن أرشيد وريم علي. كل شخصية لا تُستخدم كعنصر درامي فحسب، بل كتمثيل لزاوية مختلفة من التجربة السورية: المعتقل، المنفي، الناشط، الصامت.
مع تقدم الأحداث، يتخلى "سامي" تدريجيًا عن موقعه كـ"مترجم" محايد، ويتحول إلى مشارك مباشر في الواقع. ينخرط في المظاهرات إلى جانب زوجة شقيقه، ويقوم بتصوير فيديو يطالب فيه بالإفراج عن المعتقلين. لكن الفيلم لا يمنح هذا الفعل أي بطولة تقليدية، فمحاولاته لا تلقى استجابة، ما يعكس قسوة الواقع وعجز الفرد أمام منظومة القمع. في النهاية، لا ينتهي الصراع بانتصار واضح، بل بموقف، إذ يختار "سامي" أن يبقى، وأن يتمسك بالمبدأ، مرددًا الشعار الذي بدأ به الفيلم: "بدنا حرية.. بدنا كرامة".
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة