مضيق هرمز: صراع الحصار والإغلاق بين أمريكا وإيران يهدد الاقتصاد العالمي


هذا الخبر بعنوان "أمريكا وإيران.. من يمتلك النفس الأطول في صراع الحصار والإغلاق؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على مدى نحو نصف قرن، وهو عمر التوتر المتقطع بين الغرب والنظام الذي تولى السلطة في إيران عام 1979، برز مضيق هرمز كأحد المصطلحات المحورية في أوقات التصعيد الأقصى. وفي الحرب الأخيرة، أو بالأحرى الحالية، التي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي وما زالت مستمرة، دخل المضيق مرحلة جديدة، ليصبح العنصر الأبرز في ظل المواجهة التي تخوضها إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
باتت أهمية هذا المضيق، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، معروفة للجميع. فبغض النظر عما إذا كانت دولتك مصدّرة أو مستوردة للنفط عبره، فإنها تتأثر حتماً بما يجري فيه، لأنه يؤثر بشكل مباشر في حركة الإمداد وبالتالي في الأسعار التي تطال تقريباً كل السلع والخدمات.
في الصراع الحالي، تفاجأ العالم بتحول التهديد الإيراني المتكرر بإغلاق مضيق هرمز، في حال تعرضها للاعتداء، إلى حقيقة واقعة. فقد أُغلق المضيق بالفعل لأيام عديدة، وبدأت إيران تتحدث عن نيتها فرض رسوم عبور على المضيق الذي تشرف على ضفته الشمالية، بينما تشرف سلطنة عمان على ضفته الجنوبية. وأكد الحرس الثوري الإيراني، أمس السبت، أن «السيطرة على مضيق هرمز والإبقاء على تأثيراته الرادعة للولايات المتحدة وداعمي البيت الأبيض في المنطقة، هي إستراتيجية حازمة لطهران».
في المقابل، صرح وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، الجمعة، بأن الحصار الأمريكي على إيران يتسع ليشمل نطاقاً عالمياً، مؤكداً أنه «لا يُسمح لأي سفينة بالإبحار من مضيق هرمز إلى أي مكان في العالم دون إذن من البحرية الأمريكية». وأوضح هيغسيث أن الحصار أدى إلى شلل كبير في القدرة التجارية لإيران، وأن البحرية الأمريكية أعادت حتى الآن 34 سفينة من مضيق هرمز. وفي الأثناء، أشار رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دان كين إلى أن الولايات المتحدة «تواصل فرض حصار صارم على الموانئ الإيرانية، وستطبقه بشكل شامل على أي سفينة أياً كانت».
لقد ترك هذا التقييد لممر ملاحي حيوي أثراً سريعاً تمثل في ارتفاع أسعار الطاقة، وغذى مخاوف كبرى، خصوصاً لدى الدول التي تعتمد على النفط والغاز القادمين من منطقة الخليج العربي. لكن العالم سرعان ما تلقى صدمة إضافية، عبر تقييد آخر للحركة الملاحية قامت به هذه المرة الولايات المتحدة، التي أعلنت أنها ستحاصر الموانئ الإيرانية وتمنع خروج السفن منها أو وصولها إليها.
وهكذا، أصبح الخنق مزدوجاً، فالسفن التي كانت تنساب على مياه المضيق بين الخليج العربي وبحر عمان، باتت أسيرة للإغلاق الإيراني أو الحصار الأمريكي. وما لم تنجح جهود الوساطة لإنهاء هذه الحرب، فإن العالم سيكون على موعد مع صراع بائس ينتظر فيه الطرفان أن يصرخ أحدهما أولاً. أما بالنسبة للدول الأخرى، فقد أصبح قدراً عليها أن تعاني عوض العقبة عقبتين؛ أولاهما إغلاق إيران لمضيق هرمز وما يتردد عن زرع الألغام في مياهه، والثانية الحصار الأمريكي الذي حوّل الساحل الإيراني الطويل إلى منطقة محظورة دولياً مستخدماً أساطيله لمراقبة حركة الدخول والخروج من الموانئ الإيرانية. وقد أدى هذا وذاك إلى تراجع عدد السفن المارة عبر مضيق هرمز من نحو 135 سفينة يومياً إلى أقل من 10 فقط.
ويشير تحليل نشره موقع بلومبيرغ الأمريكي إلى أن إيران نجحت، رغم ضعف أسطولها، في فرض سيطرتها عبر تهديد السفن وزرع الألغام والتشويش على أنظمة الملاحة وفرض رسوم للعبور. وفي الأيام الماضية، تبادلت إيران والولايات المتحدة الإعلان عن إيقاف أو احتجاز سفن تخص الطرف الآخر.
وضع هذا المشهد المزدوج شركات الملاحة الدولية أمام خيارات مستحيلة؛ فإما الامتثال لضغوط واشنطن والمخاطرة بفقدان الوصول للموانئ، أو مواجهة التهديدات الإيرانية المتمثلة في الزوارق السريعة والألغام البحرية. وفي ظل هذا الوضع المعقد، لم تعد «حرية الملاحة» مصطلحاً قانونياً محمياً بمواثيق الأمم المتحدة، بل أصبحت عملة مقايضة في سوق الابتزاز الإستراتيجي، وبعبارة أخرى تحولت حرية الملاحة من «حق طبيعي» إلى «رهينة سياسية».
في القانون الدولي، تُعد حرية الملاحة مبدأً أساسياً، وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على عدم جواز فرض رسوم على حق المرور نفسه، مع السماح فقط برسوم مقابل خدمات محددة مثل الإرشاد الملاحي أو خدمات الموانئ، وبما يضمن عدم التمييز بين السفن. ويُميز القانون بين المضائق الطبيعية والقنوات الصناعية، حيث تُفرض الرسوم عادة في القنوات المحفورة مثل السويس وبنما، بينما تخضع المضائق الطبيعية لقواعد خاصة تضمن حرية العبور.
تكمن الخطورة الفائقة لمضيق هرمز في كونه أشبه بـ«نقطة اختناق جغرافية» لا يتوفر لها بديل جيد في المنظور القريب. فعبر هذا المضيق الضيق، يمر نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، وهو ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي تقريباً. لكن أهميته لا تقتصر على الذهب الأسود، فالمضيق هو البوابة الوحيدة لدول الخليج العربية لاستيراد السلع الأساسية والمواد الإنشائية، وهو الشريان الأوحد لتصدير الغاز الطبيعي المسال الذي تعتمد عليه محطات الطاقة في أوروبا وشرق آسيا (خاصة اليابان وكوريا الجنوبية).
إن أي توقف طويل الأمد للملاحة في هرمز لا يعني ارتفاعاً جنونياً في الأسعار فحسب، بل يعني إصابة الماكينة الصناعية العالمية بشلل نصفي، ودخول كبريات العواصم في ظلام طاقي قد لا تحتمله المنظومات السياسية الهشة. ويضاف إلى ذلك التداعيات على قطاعات أخرى أبرزها سوق الشحن والتأمين حيث ازدادت تكاليفه بصورة كبيرة كنتيجة طبيعية لازدياد المخاطر، فضلاً عن اضطراب سلاسل التوريد وغير ذلك.
دعونا نذهب إلى الواقع الفعلي الذي تحدث عنه بيان صادر أول أمس الجمعة عن وكالة الطاقة الدولية، أكدت فيه أن تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز أدى إلى سحب نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية من السوق، مما تسبب بارتفاع حاد في الأسعار. كما أكد التقرير الربع سنوي للوكالة أن «تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز منذ بداية مارس/آذار الماضي، أدى إلى حالة من عدم اليقين غير مسبوقة».
ولفت التقرير إلى أن «توقعات سوق الغاز الطبيعي العالمي تغيرت بشكل كبير بسبب الصراع في الشرق الأوسط، حيث أدت صدمة كبيرة في الإمدادات إلى تعطيل أساسيات السوق وتأخير موجة متوقعة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال الجديدة». وبحسب التقرير، فإن «أسعار الغاز الطبيعي في آسيا وأوروبا ارتفعت إلى أعلى مستوياتها منذ يناير/كانون الثاني 2023، مما ساهم في انكماش الطلب على الغاز الطبيعي في أسواق استيراد الغاز الطبيعي المسال الرئيسية».
وإلى جانب الاضطراب المباشر، توقعت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها أن يكون للأزمة تداعيات على التوقعات متوسطة الأجل. كما توقعت تقليص نمو الإمدادات المتوقع وتأخير تأثير موجة التوسع العالمي المرتقبة في إنتاج الغاز الطبيعي المسال لمدة عامين على الأقل بسبب تضرر البنية التحتية لتسييل الغاز الطبيعي المسال في قطر. وبدوره، لفت ريتشارد ويسترديل -وهو مستشار أول سابق بمكتب موارد الطاقة في وزارة الخارجية الأمريكية- إلى جانب من التداعيات يرتبط بأسعار وقود الطائرات، حيث كشف في مقال منشور بالجزيرة نت اليوم السبت أنها ارتفعت من حوالي 85-90 دولاراً للبرميل، لتصل إلى ما بين 150 و200 دولار، مع تجاوز بعض الأسواق هذه المستويات لفترات وجيزة.
السؤال الذي يتكرر مع كل أزمة هو: هل يستطيع العالم تجاوز مضيق هرمز؟ والإجابة المختصرة تفيد بأنه لا يوجد بديل كامل حتى الآن، وإن توفرت بدائل جزئية أبرزها ما يلي:
الحصار أداة قديمة في الصراع الدولي، لكنه تطور من منع السفن عسكرياً إلى منظومة مركبة تشمل العقوبات المالية، وقيود الشحن، ومنع التأمين، وعزل الموانئ، وملاحقة الوسطاء. وفي الغالب تلجأ الدول إلى فرض الحصار للأهداف التالية:
ولهذا يوصف الحصار أحياناً بأنه «بديل الحرب»، لكنه قد يتحول إلى مقدمة لها إذا فشل في تحقيق أهدافه، أو إذا رد الطرف المحاصر بخيارات تصعيدية.
السؤال الأكثر إثارة هو: من سيتألم أولاً إذا تصاعد هذا السيناريو؟
من المرجح أن أي تعطيل طويل للملاحة سيدفع قوى كبرى إلى التدخل السياسي المكثف.
المشكلة أن الصراعات البحرية تختلف عن غيرها؛ فهي لا تبقى محصورة جغرافياً. رصاصة واحدة، أو ناقلة متوقفة، أو قفزة حادة في أسعار النفط، قد تنتقل آثارها خلال ساعات إلى الأسواق العالمية. ولهذا فإن منطق الحصار والإغلاق، حتى لو بدا أداة ضغط فعالة، يحمل مخاطر عالية على الجميع. فالاقتصاد العالمي اليوم أكثر ترابطاً، وأقل قدرة على تحمل صدمات متتالية.
فالخليج العربي بل والعالم كله يقف أمام معادلة شديدة الحساسية؛ حيث ورقة الإغلاق والتعطيل من ناحية وورقة الحصار من ناحية أخرى. ورغم وجود بدائل جزئية لمضيق هرمز، فإنها لا تزال غير كافية لتعويض أهميته. ولذلك سيظل الحل الحقيقي سياسياً لا جغرافياً، عبر خفض التصعيد وإدارة التنافس بدل تحويل الممرات البحرية إلى ساحات مواجهة. وفي عالم يعتمد على تدفق السلع والطاقة، قد يكون فتح الممرات أقل كلفة بكثير من اختبار من يستطيع الصمود أكثر تحت الحصار أو الإغلاق.
وفي النهاية، فقد أثبت واقع الأيام الماضية أن «الحصار» الأمريكي و«الإغلاق» الإيراني ربما يتجاوزان كونهما مجرد تكتيكات عسكرية، ليصبحا في نظر مراقبين نوعاً من المقامرة الكبرى بمستقبل الاستقرار العالمي. وعندما يكون الحال كذلك، فلن يوجد منتصر حقيقي بين أطراف الحرب، وربما لن يوجد ناجٍ حقيقي من بقية دول العالم جراء تداعيات هذا الخنق المزدوج لشريان الملاحة الذي بات الأشهر في العالم هذه الأيام. قد تستطيع القوى الكبرى فرض العقوبات، وقد تستطيع الدول الإقليمية تهديد الممرات، لكن أحداً لا يستطيع التحكم الكامل بنتائج الفوضى إذا بدأت. ولذلك يبقى الخليج العربي -حيث تمر نسبة معتبرة من مصالح العالم- بحاجة إلى تفاهمات أمنية أكثر من حاجته إلى استعراضات القوة، فكلفة التفاهم تظل دائماً أقل من كلفة الخنق المتبادل.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
سياسة