أمطار الحسكة تُنعش آمال مربي النحل: تعافٍ تدريجي لاقتصاد حيوي يواجه تحديات المناخ


هذا الخبر بعنوان "الأمطار تنعش اقتصاد النحل في الحسكة.. الموسم يختبر التعافي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد قرى ريف الحسكة الشمالي خلال الموسم الحالي بوادر تعافٍ ملحوظ في قطاع تربية النحل، وذلك بعد سنوات عجاف من التراجع الحاد الذي فرضته موجات الجفاف المتتالية. هذه الموجات ألحقت أضراراً جسيمة بالمراعي الطبيعية ومصادر تغذية النحل، مما دفع العديد من المربين إلى التخلي عن مهنتهم أو تقليص نشاطهم إلى أدنى حد ممكن. ومع تحسن معدلات الهطول المطري هذا العام، بدأت المراعي تستعيد حيويتها تدريجياً، وظهرت النباتات البرية المزهرة بكثافة نسبية تفوق الأعوام السابقة، الأمر الذي انعكس إيجاباً ومباشرة على نشاط النحل وإنتاجه، وأعاد الأمل إلى المربين بإمكانية استئناف عملهم تدريجياً.
لقد عانى مربو النحل في مناطق مثل ريف عامودا وتل حميس وتل تمر من تدهور حاد خلال السنوات الماضية، نتيجة لتراجع الغطاء النباتي وانخفاض مصادر المياه، مما أدى إلى ضعف التغذية الطبيعية للنحل وتناقص أعداده بشكل ملحوظ. وفي هذا السياق، صرح عبد الكريم الحسن، وهو مربٍ للنحل من ريف الحسكة الشمالي القريب من المدينة، بأن سنوات الجفاف "كانت كفيلة بتدمير كل ما بنيناه خلال عقود"، موضحاً أنه خسر معظم خلاياه التي تجاوز عددها سابقاً 250 خلية، ولم يتبق لديه سوى عدد محدود يكاد يكفي للحفاظ على استمرارية المهنة. وأضاف الحسن لعنب بلدي أن نقص الأزهار البرية دفعه في بعض المواسم إلى الاعتماد على التغذية الصناعية، وهو ما أثر سلباً على جودة الإنتاج وزاد من تكلفته، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار مستلزمات التربية وصعوبة تأمينها.
على الرغم من التحديات الجسيمة، يلاحظ المربون تحسناً نسبياً هذا العام، مع انتشار الأعشاب والنباتات الرحيقية في السهول الزراعية، مما وفر مصدراً طبيعياً وفيراً لتغذية النحل، وأسهم في تنشيط الخلايا المتبقية. من جانبه، أكد محمود العلي، وهو مربٍ آخر من ريف الدرباسية، أن الموسم الحالي "أفضل بكثير من السنوات الثلاث الماضية"، مشيراً إلى أن النحل بدأ يستعيد نشاطه تدريجياً، مع زيادة ملحوظة في إنتاج العسل، وإن كانت لا تزال هذه المستويات دون ما كانت عليه قبل فترة الجفاف. وأضاف العلي أن بعض المربين عادوا إلى شراء خلايا جديدة، رغم الحذر من تقلبات الطقس، مؤكداً أن "العودة لا تزال بطيئة، لكنها تبعث على التفاؤل".
بالرغم من التحسن الحالي، لا يزال مربو النحل يواجهون تحديات كبيرة تهدد استقرار القطاع، أبرزها عدم استقرار الظروف المناخية واحتمال عودة الجفاف في أي وقت، بالإضافة إلى انتشار بعض الآفات التي تهاجم خلايا النحل وتتسبب في خسائر إضافية. كما يشير المربون إلى أن تراجع المساحات المزروعة بالمحاصيل الصيفية، مثل القطن والنباتات العلفية، يحدّ من تنوع مصادر الغذاء للنحل، خاصة في فترات الجفاف الصيفي، مما ينعكس سلباً على استمرارية الإنتاج. ويرى عبد الكريم الحسن أن دعم هذا القطاع يتطلب "خططاً طويلة الأمد"، تشمل توسيع الرقعة الخضراء وزراعة نباتات رحيقية، إلى جانب توفير مستلزمات التربية بأسعار مناسبة.
تُعد تربية النحل مصدراً أساسياً للدخل لعدد من الأسر في ريف الحسكة، خاصة في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، إذ يوفر العسل الطبيعي منتجاً مطلوباً في الأسواق المحلية، ويحقق عائدات اقتصادية مقبولة مقارنة ببعض الأنشطة الزراعية الأخرى. وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور سامر الخليل أن قطاع تربية النحل "يمتلك مقومات مهمة للنمو في مناطق الجزيرة السورية، نظراً لتنوع الغطاء النباتي وملاءمة البيئة الطبيعية"، مشيراً إلى أن تحسن المواسم المطرية ينعكس سريعاً وبشكل إيجابي على هذا القطاع. وأضاف الخليل أن دعم المربين عبر تقديم قروض صغيرة، وتسهيل الحصول على المعدات، وتنظيم عمليات التسويق، يمكن أن يسهم بفعالية في تعزيز الإنتاج وخلق فرص عمل إضافية، خاصة في المناطق الريفية.
لا تقتصر أهمية النحل على إنتاج العسل فحسب، بل يلعب دوراً بيئياً لا يقل أهمية في تلقيح النباتات، مما يساهم في زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين جودة المحاصيل، وبالتالي دعم الأمن الغذائي في المنطقة. ويؤكد الدكتور سامر الخليل أن تراجع أعداد النحل خلال السنوات الماضية لم يؤثر فقط على المربين، بل انعكس أيضاً على الإنتاج الزراعي بشكل عام، نتيجة لانخفاض معدلات التلقيح الطبيعي.
في ظل هذه المعطيات، يعلّق مربو النحل في ريف الحسكة الشمالي آمالهم على استمرار تحسن الظروف المناخية خلال المواسم المقبلة، بما يسمح بإعادة بناء الخلايا وتعويض الخسائر السابقة. لكن هذه الآمال تبقى مشروطة بعوامل عديدة، أبرزها استقرار الهطولات المطرية، وتوفر الدعم اللازم لهذا القطاع، إلى جانب اتخاذ إجراءات للحد من تأثير التغيرات المناخية والآفات الزراعية. وبين التفاؤل الحذر والمخاوف المستمرة، يحاول مربو النحل استعادة مهنة تعد جزءاً لا يتجزأ من الهوية الزراعية للمنطقة، ومورداً اقتصادياً لا يمكن الاستغناء عنه في ظل الظروف الراهنة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سوريا محلي