مذبحة الذئاب في إيطاليا: هل توترت العلاقة مع البشر وما هي حلول التعايش؟


هذا الخبر بعنوان "مذبحة الذئاب في إيطاليا.. هل توترت العلاقة مع البشر؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
استيقظ ناشطو حماية الحياة البرية في إيطاليا مؤخرًا على حادث مروع، وُصف بأنه أحد "أسوأ الهجمات" على الحياة البرية في البلاد، وذلك بعد فترة من الازدهار في أعداد الذئاب التي كانت على شفا الانقراض في القرن العشرين. فقد عثرت السلطات على أكثر من 18 ذئبًا، بالإضافة إلى حيوانات برية أخرى، نافقة في مواقع متفرقة داخل وحول متنزه "أبروتسو ولازيو وموليز الوطني"، وهي منطقة جبلية تُعد معقلًا للذئاب الإيطالية.
كشفت التحقيقات أن نفوق هذه الحيوانات يرجح أن يكون نتيجة تناول "طعم مسموم"، قُدّم لها في محاولة لتفادي هجماتها على ماشية المزارعين. هذا الحادث يثير تساؤلات عميقة حول دوافع هذا السلوك، وما إذا كان مؤشرًا على تصاعد التوتر في العلاقة بين البشر والذئاب.
الدكتورة جيرالدين ويرهان، الرئيسة المشاركة لمجموعة أخصائيي الكلبيات التابعة للجنة بقاء الأنواع في الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، أوضحت في حديثها للجزيرة نت أن الماشية ليست الفريسة المفضلة للذئاب. ومع ذلك، فإن التحولات البيئية، التي لا دخل للذئاب فيها، تدفعها أحيانًا لمثل هذا السلوك، مشيرة إلى إمكانية الوقاية منه بتوفير الحماية المناسبة للماشية.
وأضافت ويرهان أن الذئاب، والحيوانات اللاحمة عمومًا، تعايشت مع البشر لآلاف السنين، وتتعامل الذئاب مع الإنسان كعامل خطر، لذا تفضل الابتعاد عنه. ورغم تجنبها لمخيمات الرعاة، فإن الوجود البشري والبنية التحتية باتا حاضرين بقوة في العديد من البيئات، مما قلل من فرائسها الطبيعية. لذلك، أصبحت الماشية خيارًا متاحًا عندما تغيب الخيارات الأخرى.
وفيما يتعلق بالتغيرات المناخية، أشارت الدكتورة ويرهان إلى أنه إذا أدت هذه التغيرات وعوامل أخرى إلى انخفاض أعداد الفرائس البرية المتاحة، فلن يكون أمام الذئاب سوى اللجوء إلى الماشية لإطعام نفسها وعائلاتها. كما ذكرت سببًا آخر يتعلق بتكيف الذئاب مع الوجود البشري، وهو "سهولة الفريسة"، حيث لا يوجد ما يمنع الذئب من انتهاز فرصة وجود ماشية غير محمية في مخيم للرعاة.
سبب ثالث يدفع الذئاب للاقتراب من مخيمات الرعاة هو البحث عن رفيقة من الكلاب المنزلية بعد اليأس من وجود ذئاب أخرى. وتعتبر الدكتورة ويرهان أن هذا ليس تحولًا في سلوك الذئاب، بل جزءًا من قدرتها الطبيعية على التكيف مع الظروف المتغيرة.
مع تقديرها للأسباب التي تدفع الرعاة لقتل الذئاب لحماية مصادر دخلهم، تشدد الدكتورة ويرهان على أن القتل ليس حلًا، خاصة وأن الحيوانات الأليفة فقدت غريزة تجنب المفترسات. لذلك، من الضروري حماية الماشية جيدًا لضمان بقائها مصدرًا غذائيًا غير مرغوب فيه، لأن الذئاب إذا علمت أن الأغنام غير المحمية فريسة سهلة، فسوف تكرر ذلك.
تتطلب هذه الحماية جهودًا كبيرة، حيث يجب على الجهات الإدارية دعم وتشجيع استخدام الوسائل غير القاتلة لحماية الماشية، مثل الأسوار الكهربائية وأضواء الكشافات. كما يجب على الحكومات تعويض خسائر الماشية التي قد تتسبب فيها الحيوانات المفترسة. ولا ترى الدكتورة ويرهان أن تنفيذ هذه الإجراءات الوقائية صعب، مستشهدة بقصص نجاح خلقت مناخًا مناسبًا للتعايش السلمي.
من المبادرات الناجحة في هذا الإطار ما تم تنفيذه في منطقة "لاداخ" بجبال الهيمالايا الهندية، حيث كانت الذئاب تُقتل بطرق تقليدية قاسية. نجحت مبادرة قادتها مؤسسات مثل "الحفاظ على الطبيعة" بالتعاون مع "صندوق نمر الثلوج" في معالجة المشكلة، من خلال توفير وسائل حماية للماشية، مما حول السكان من قتل الذئاب إلى حمايتها.
تؤكد الدكتورة ويرهان أن هذه المبادرات ليست ترفًا، بل ضرورة بسبب الدور المهم الذي تؤديه الذئاب، كغيرها من الحيوانات اللاحمة، في النظم البيئية. فالذئاب تحافظ على صحة فرائسها البرية باستهداف الأفراد المرضى والمسنين، وتزيد من التنوع البيولوجي، وتساهم في تحقيق التوازن البيئي، وهو ما تؤكده تجربة محمية "يلوستون" الوطنية بأمريكا عام 1995.
قبل عام 1995، كانت الغزلان قد استبدت بمحمية "يلوستون"، والتهمت الأخضر واليابس في غياب أي رادع، حتى تحولت الوديان إلى أراضٍ جرداء. بعد إطلاق سراح عدد قليل من الذئاب في المحمية، لم تكتفِ هذه الكائنات بصيد الغزلان، بل علمتها "الخوف". بدأت الغزلان تتجنب الوديان والمناطق المفتوحة، مما أدى إلى تنفس الأرض الصعداء ونمو الأشجار مجددًا، وعادت الطيور المهاجرة والقنادس. الجزء الأكثر إثارة للذهول كان ما حدث للأنهار، حيث أصبحت التربة أكثر تماسكًا بفضل الأشجار والنباتات على الضفاف، وأصبحت مسارات المياه أكثر استقامة واستقرارًا.
ترى الدكتورة ويرهان أن "مذبحة الذئاب" في إيطاليا كانت خطأً كبيرًا، لأن اللجوء إلى قتل الذئاب، وخاصة الصغار منها، سيؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من حدة النزاع مع الرعاة. تستند في رأيها إلى ورقة بحثية رائدة نشرتها دورية "فرونتيرز إن إيكولوجي أند ذا إنفايرونمنت" للباحثة الأمريكية كيرا كاسيدي وزملائها، والتي رصدت كيف تؤدي الوفيات الناجمة عن التدخل البشري إلى إحداث حالة من عدم الاستقرار العميق داخل القطيع، فيما يعرف بـ"أثر الاضطراب".
هذا الاضطراب البيولوجي يحفز ردود فعل سلوكية خطيرة؛ فعندما ينهار الهيكل الاجتماعي للقطيع، تندفع الإناث نحو التكاثر بمعدلات أعلى لتعويض الفقد، وتضطر الذئاب الوحيدة للبحث عن فرائس سهلة كالماشية بعد فقدانها لقوة الجماعة. هذا التفكك لا يجعل الذئاب أكثر جرأة في الاقتراب من الممتلكات البشرية فحسب، بل يفتح الباب أيضًا أمام دخول ذئاب غريبة ومشتتة إلى المنطقة، مما يخلق حالة من الفوضى السلوكية الدائمة.
تختتم الدكتورة ويرهان بأن الحل الأمثل يكمن في الحفاظ على "استقرار القطعان" كبناء عائلي متماسك، مما يسهم في انضباط سلوك الصيد وتوجيهه نحو الفرائس البرية. وتعود لتؤكد أن معادلة التعايش الناجح تتطلب توفير حماية فعالة للماشية بالتوازي مع ضمان وجود طرائد طبيعية كافية، مما يسمح للذئاب بأداء دورها الحيوي في توازن النظام البيئي دون المساس بمصادر رزق المجتمعات المحلية، لتصبح قوة القطيع المستقر هي الضمانة الحقيقية للأمن البيئي والرعوي على حد سواء.
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا