جدل واسع حول تسريبات صيدنايا: مخاوف قانونية وإنسانية بشأن الأدلة وحقوق الضحايا


هذا الخبر بعنوان "تسريبات “صيدنايا” تثير جدلًا بشأن الأدلة وحقوق ذوي الضحايا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثارت تسجيلات متداولة، قيل إنها تعود لسجن “صيدنايا” قبل سقوط نظام الأسد، جدلاً واسعاً لم يقتصر على مضمونها فحسب، بل امتد ليشمل الطريقة التي ظهرت بها إلى العلن. نُشرت هذه التسجيلات يوم الثلاثاء 28 من نيسان عبر حساب على “فيسبوك”، ليقوم صاحب الحساب بحذفها بعد نحو ثلاث ساعات فقط من النشر.
وبدلاً من أن تمثل هذه التسجيلات خطوة إيجابية نحو كشف الانتهاكات، فقد وضعت مسار المحاسبة أمام تحديات كبيرة تتعلق بسلامة الأدلة الرقمية وإمكانية اعتمادها قضائياً. وتبرز مخاوف جدية من أن يتحول هذا النشر غير المنضبط إلى ثغرة قانونية يستفيد منها المتهمون، مما قد يضعف فرص تحقيق العدالة ويزيد من معاناة الضحايا وذويهم.
يرى مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أن تداول هذه التسجيلات يقع ضمن منطقة متشعبة تتقاطع فيها ثلاثة أطر قانونية رئيسية: القانون الجنائي الدولي، والقانون الإنساني الدولي، وقانون الأدلة الرقمية.
وأوضح عبد الغني لعنب بلدي أن تداول هذه المواد بشكل غير منضبط يقع في فراغ تنظيمي واضح، نظراً لعدم وجود سلطة مركزية معترف بها دولياً حالياً تملك صلاحية حصرية للتصرف بها. وأكد أن الشخص الذي يحتفظ بنسخة من مواد بهذه الطبيعة يواجه إشكاليات قانونية متعددة المستويات.
كما بيّن أن الاحتفاظ بأدلة تتعلق بجرائم دولية خارج سيطرة السلطات المختصة قد يُشكّل عرقلة لمسار العدالة، خاصة إذا ثبت أن ذلك كان متعمداً أو أفضى إلى تدمير جزء من سجل الأدلة. وتجدر الإشارة إلى أن المادة 70(1)(c) من نظام روما الأساسي تنص على أن للمحكمة اختصاصاً بنظر الجرائم المرتكبة ضد إدارتها للعدالة عندما ترتكب عمداً، ومنها “إتلاف الأدلة أو التدخل في جمعها أو التلاعب بها”.
يُعد المبدأ الجوهري في القانون الدولي أن قيمة الدليل لا تقتصر على مضمونه فحسب، بل تشمل أيضاً قابليته للتحقق ومسار حيازته. وبحسب فضل عبد الغني، فإن “سلسلة الحيازة” هي العمود الفقري لأي دليل رقمي، وتعني التوثيق المتسلسل لكل جهة أو شخص مرت عليه المادة من لحظة التقاطها حتى تقديمها للمحكمة.
وأشار عبد الغني إلى أن قيام أي شخص بتسريب القرص الصلب، أو الاحتفاظ بنسخة لنفسه والنشر منها، يفكك هذه السلسلة. ففي هذه الحالة، لا توجد وثيقة تثبت متى التقطت التسجيلات، ولا ما يضمن عدم تحريرها أو تزويرها.
من جانبه، أكد الخبير في القانون الدولي المعتصم كيلاني، في حديث إلى عنب بلدي، أن قبول هذه التسجيلات كدليل قانوني مشروط بتوفر عناصر أساسية، أهمها إثبات أصالة التسجيل وعدم التلاعب به. وأوضح الكيلاني أن “سلسلة الحيازة” عنصر أساسي لضمان المصداقية، وفي حالة المواد المسربة عبر حسابات شخصية، غالباً ما تكون هذه السلسلة مفقودة، مما يضعف الثقة في سلامة التسجيل حتى لو بدا حقيقياً.
وتنص المادة 69(4) من نظام روما الأساسي على أنه “يجوز للمحكمة أن تبين ما إذا كان الدليل مقبولاً أو ذا صلة، آخذة في اعتبارها، من بين أمور أخرى، القيمة الإثباتية للدليل وأي مساس قد يسببه ذلك الدليل في إجراء محاكمة عادلة أو في تقييم شهادة شاهد على نحو عادل”.
لم تقتصر المسؤولية القانونية على البعد الجنائي، بل تمتد إلى حقوق ذوي الضحايا واعتباراتهم الإنسانية، بحسب تأكيد الخبير القانوني المعتصم كيلاني. واعتبر كيلاني أن نشر هذه المواد دون مراعاة لمشاعر الأهالي قد يُعد شكلاً من أشكال إعادة الإيذاء. وقال إن الشخص الذي يقوم بتسريب أو الاحتفاظ بهذه المواد قد يواجه مسؤولية مدنية إذا أدى النشر إلى إلحاق ضرر مباشر بالعائلات، كتعريضهم لصدمة نفسية متجددة أو انتهاك خصوصية أحبائهم.
وفي الإطار ذاته، أشار مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إلى أنه لا يوجد نص دولي يحظر النشر بشكل مطلق، إذ إن حق الوصول للمعلومات محمي بموجب المادة “19” (3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومع ذلك، فإن القيود تشمل حماية حقوق الآخرين.
وتنص المادة “19” من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على ما يلي:
وحذر عبد الغني من أن نشر محتوى صادم بهذا الشكل دون تحقق كامل يحمل مخاطر حقوقية مباشرة. فإذا ثبت لاحقاً أن المواد مزورة، فإن ذلك يلحق ضرراً جسيماً بمصداقية القضية برمتها، وقد يستخدم من قِبل المتهمين للتشكيك في سائر الأدلة. وختم كيلاني بالقول إن النشر العشوائي قد يؤدي إلى فقدان جزء من قيمة هذه المواد كأدلة قانونية، مفضلاً التعامل معها بطريقة مزدوجة تجمع بين التوثيق الحقوقي المهني وتسليم النسخ الأصلية لجهات التحقيق المختصة لضمان قيمتها أمام القضاء.
في سياق متصل، كشفت “رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” في 19 من كانون الأول 2024، عن عملية سرقة لوثائق وأجهزة كمبيوتر من سجن “صيدنايا” بعد سقوط نظام الأسد. وقالت الرابطة في تقرير لها إنها تمكنت من تحديد هوية بعض الأفراد المتورطين في سرقة أجهزة الكمبيوتر من سجن “صيدنايا”، وذلك من خلال شهادات متقاطعة لسكان محليين وأهالي المختفين، بالإضافة إلى توثيق قام به أعضاء من الرابطة كانوا داخل السجن في 8 من كانون الأول، أي بعد بضع ساعات من سقوط الأسد.
ووفقاً لشهود عيان، قامت مجموعة من “الشبيحة” واللصوص الذين كانوا على ارتباط بالنظام المخلوع بالتسلل إلى سجن “صيدنايا” مع بدء توافد الأهالي، وسرقوا أجهزة الكمبيوتر من غرفة المراقبة وبعض الملفات من القلم الأمني في السجن. وبعد ساعات من سقوط النظام، انتشرت مقاطع مصوّرة من داخل سجن “صيدنايا” لمقاتلين ومدنيين يتجولون بين رفوف حوت وثائق وتقارير كتبت نهاية حياة عشرات آلاف السوريين، أو أدت إلى اعتقالهم ومعاملتهم بطريقة غير آدمية، ووثقت أيضاً أسماء المسؤولين عن ذلك.
أدت وثائق مرمية على الأرض، وأخرى أخذها أشخاص سواء مدنيون أو عسكريون، ومن الممكن أن يكونوا من أركان النظام السابق، إلى فقدان أو تلف وثائق وتقارير أمنية، ولم يُعرف حجم الفقدان حتى الآن. استمرت حالة عدم ضبط دخول الأشخاص إلى المعتقلات والعبث بمحتوياتها نحو أربعة أيام، إلى أن أغلقت “إدارة العمليات العسكرية” هذه المعتقلات، وأنهت فرق البحث والإنقاذ وعلى رأسها “الدفاع المدني السوري” عمليات البحث عن سجون أو غرف مخفية داخلها، وهو ما حدث في سجن “صيدنايا”.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة