الحجامة في الجزيرة السورية: رواج موسمي لـ"الطب البديل" بين التراث والتحفظات الطبية


هذا الخبر بعنوان "الحجامة بالجزيرة السورية.. “طب بديل” يلقى رواجًا في الربيع" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع حلول فصل الربيع من كل عام، تشهد مناطق الجزيرة السورية إقبالاً متزايداً من الأهالي على ممارسة الحجامة، التي تُعد وسيلة علاجية تقليدية متوارثة. يربط كثيرون هذه الممارسة بالتجدد الموسمي للجسم والتخلص من "السموم"، بينما يراها آخرون خياراً تكميلياً إلى جانب الطب الحديث. تتفاوت الآراء حول فوائدها وحدودها، مما يثير دعوات لتنظيم ممارستها وضبطها طبياً.
يرتبط انتشار الحجامة في الربيع بعوامل ثقافية ودينية، حيث يعتقد الكثيرون أن هذا الفصل هو الأنسب لإجرائها، استناداً إلى أحاديث نبوية تحدد توقيتات مفضلة للحجامة. في هذا السياق، أوضح المختص بالحجامة، علي الجعبان، أن الإقبال يزداد بشكل ملحوظ في هذه الفترة، مشيراً إلى أن "الناس يرون في الربيع وقتاً مناسباً لتجديد نشاط الجسم، خصوصاً بعد فصل الشتاء وما يرافقه من خمول".
يروي الجعبان تجربته الشخصية التي قادته إلى التخصص في الحجامة، حيث بدأت معاناته من آلام شديدة أعجزته عن الحركة، ولم تُفلح العلاجات التقليدية في تخفيفها. وأضاف: "بعد البحث والاطلاع، لجأت إلى الحجامة، وكانت النتيجة تحسناً ملحوظاً خلال ساعات، ما دفعني لتعلمها وممارستها بشكل مستمر". وأشار إلى أن هذا التحسن شكّل نقطة تحول في حياته، فبات يمارس الحجامة لنفسه دورياً، قبل أن يتوسع في تعلمها وتطبيقها على الآخرين.
وفقاً للجعبان، تنقسم الحجامة إلى نوعين رئيسين: الجافة، التي تعتمد على استخدام الكؤوس دون إحداث جروح، والرطبة، التي تتضمن "تشريطاً خفيفاً" للجلد بهدف إخراج الدم. وأكد أن لكل نوع استخداماته، إلا أن الحجامة الرطبة هي الأكثر شيوعاً، لاعتقاد الكثيرين بقدرتها على "تنقية الدم" والتخلص من الخلايا التالفة.
يرى ممارسو الحجامة أنها وسيلة وقائية وعلاجية في آن واحد؛ فبعضهم يُقبل عليها بشكل دوري دون وجود أعراض، بينما يلجأ إليها آخرون لعلاج مشكلات صحية محددة. وقال الجعبان إن الهدف الأساسي منها هو "التخلص من الدم الراكد في الشعيرات الدموية"، معتبراً أن ذلك ينعكس إيجاباً على وظائف الجسم. وعدد الجعبان قائمة واسعة من الفوائد التي ينسبها للحجامة، تشمل تخفيف الآلام العضلية والمفصلية، والصداع، وبعض الأمراض العصبية، إضافة إلى أمراض الجهاز التنفسي والجلدية. كما أشار إلى دورها في تحسين حالات مثل السكري وارتفاع الكوليسترول، بل ويمتد الحديث إلى تأثيرها على بعض الاضطرابات النفسية، بحسب الجعبان.
في المقابل، يقدم الطبيب محمد العبد الله قراءة أكثر حذراً، موضحاً أن الحجامة تُصنّف ضمن الطب البديل، مع وجود بعض الدراسات التي تشير إلى فائدتها في تخفيف الألم العضلي المزمن. ويقول: "الحجامة تعتمد على مبدأ الضغط السلبي، ما يؤدي إلى زيادة تدفق الدم في المنطقة المعالجة، وهذا قد يفسر شعور بعض المرضى بالتحسن". وشدد العبد الله على أن تأثير الحجامة يبقى موضعياً ومحدوداً، ولا يمكن اعتبارها وسيلة لتنقية الدم، موضحاً أن هذه الوظيفة تقوم بها أعضاء حيوية مثل الكبد والكلى. وأضاف أن بعض التحسن الذي يشعر به المرضى قد يكون مرتبطاً بعوامل نفسية، فيما يُعرف بتأثير الدواء الوهمي، حيث يلعب توقع التحسن دوراً في تخفيف الأعراض.
من جهته، روى كريم الحسين، أحد سكان ريف الحسكة، تجربته مع الحجامة بعد معاناته من آلام مزمنة في الظهر، قائلاً: "بعد الجلسة الأولى شعرت بخفة كبيرة في جسمي، وكأن الحمل الذي كان يثقلني قد زال". وأشار إلى أنه بات يكرر التجربة مرتين في العام، خاصة في فصل الربيع، معتبراً أنها ساعدته على تحسين نشاطه اليومي. أما مريم العلي، من مدينة الحسكة، فتحدثت عن تجربتها مع الصداع المزمن، قائلة: "كنت أعاني من نوبات متكررة، وبعد الحجامة خفّت بشكل واضح، ولم أعد أحتاج إلى المسكنات كما في السابق". وترى أن الحجامة منحتها شعوراً عاماً بالراحة، سواء على المستوى الجسدي أو النفسي.
رغم الإقبال المتزايد، يحذّر مختصون من مخاطر إجراء الحجامة دون الالتزام بالمعايير الصحية، خاصة فيما يتعلق بالتعقيم. وأكد الجعبان ضرورة استخدام أدوات معقمة، وإجراء الحجامة على جلد سليم، مع تجنبها في حالات معينة مثل الحمل أو الأمراض النزفية. كما شدد الطبيب محمد العبد الله على أهمية استشارة الطبيب قبل الخضوع للحجامة، خصوصاً للمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة أو يتناولون أدوية تؤثر على تخثر الدم.
تعكس الحجامة حالة من التداخل بين الموروث الشعبي والممارسات الطبية الحديثة، إذ لا تزال تحظى بقبول واسع في المجتمع، رغم التحفظات العلمية. ويتفق المختص بالحجامة الجعبان والطبيب العبد الله على أن الحل يكمن في تنظيم هذا المجال، عبر إخضاعه لرقابة صحية، وتوعية الناس بمخاطره وفوائده الحقيقية، بعيداً عن المبالغة أو الرفض المطلق. في ظل الإقبال الموسمي على الحجامة، تبقى الحاجة قائمة إلى تحقيق توازن بين القناعة الشعبية والتقييم العلمي، بما يضمن الاستفادة منها بشكل آمن، دون أن تتحول إلى بديل عن العلاج الطبي. وبينما يجد فيها البعض وسيلة فعالة لتحسين صحتهم، يدعو مختصون إلى التعامل معها كخيار تكميلي، يُستخدم بحذر وتحت إشراف متخصصين، خاصة في ظل غياب أدلة علمية كافية تدعم بعض القناعات المرتبطة بها.
صحة
صحة
صحة
صحة