قفزة تاريخية للإعلام السوري: من عقود القمع إلى صدارة مؤشرات الحرية بعد زوال نظام الأسد


هذا الخبر بعنوان "من القمع إلى الانفتاح والحرية.. قصة تحوّل الإعلام السوري بعد زوال النظام البائد" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت سوريا تحولاً عميقاً وغير مسبوق في مشهدها الإعلامي عقب زوال النظام البائد، وهو ما انعكس بوضوح على المؤشرات الدولية لحرية الصحافة. فقد سجلت هذه المؤشرات ارتفاعاً ملحوظاً للسنة الثانية على التوالي، منهيةً بذلك عقوداً طويلة من سياسات القمع وكمّ الأفواه التي اتبعها النظام المجرم.
أظهر مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود" اليوم الخميس، تقدماً هائلاً لسوريا بواقع 36 مرتبة، لتصل إلى المركز 141 عالمياً بعد أن كانت في المرتبة 177 العام الماضي من بين 180 دولة. تُعد هذه القفزة الأكبر التي تحققها دولة خلال عام واحد منذ بدء إصدار التقرير قبل 25 عاماً.
وأكدت المنظمة في تقريرها أن سقوط نظام الأسد الديكتاتوري في كانون الأول 2024 قد وضع حداً لخمسة عقود من القمع الوحشي الذي مارسه الديكتاتور المخلوع وعائلته ضد الصحافة. وأوضحت المنظمة أن سوريا حققت هذا العام تقدماً في المؤشرات الخمسة التي تُستخدم لقياس حرية الصحافة عالمياً، وهي: المؤشرات الاقتصادية، القانونية، الأمنية، السياسية، والاجتماعية.
هذا التقدم لا يقتصر على الأرقام فحسب، بل يمثل تعافياً حقيقياً تعيشه سوريا بعد انتصار الثورة السورية، ويُعد دليلاً واضحاً على تغيّر جذري في بيئة العمل الإعلامي داخل سوريا الجديدة، حيث بدأ هامش الحرية يتسع تدريجياً بعد سنوات طويلة من الانغلاق والقمع. ولم يعد هذا التحسن مجرد رقم في تقارير دولية، بل أصبح واقعاً ملموساً مع تزايد المنصات المستقلة، وتوسع فرص النشر، وتحسن القدرة على الوصول إلى المعلومات، في انتقال واضح من إعلام مقيّد إلى فضاء أرحب من المهنية والمسؤولية.
على مدى عقود، خضعت وسائل الإعلام السورية لرقابة أمنية صارمة فرضها النظام البائد، ولم يكن هناك أي وجود لإعلام مستقل. اقتصرت مصادر المعلومات على الصحف الرسمية والتلفزيون الرسمي، وحتى المنصات الخاصة كانت تعمل ضمن هوامش ضيقة، ملتزمةً بالسردية التي تخدم سياسات النظام المجرم وتغطي على ممارساته. كان الحصول على ترخيص إعلامي جديد شبه مستحيل بسبب الإجراءات الأمنية المعقدة التي لا تُمنح إلا لمن يثبت ولاءه الكامل.
غير أن هذا الواقع تبدّل جذرياً بعد سقوط النظام، حيث أعيد إطلاق قناة الإخبارية السورية والوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) وصحيفة الثورة السورية وإذاعة دمشق، لتكون صوت المواطن لا بوقاً للسلطة مثلما جعلها النظام البائد. كما شهدت البلاد طفرة إعلامية واسعة ارتفع خلالها عدد المنصات من نحو 50 قبل عام 2024 إلى أكثر من 500 خلال عام واحد فقط. وظهرت وسائل إعلام رقمية وإذاعات خاصة وصحف جديدة ومنصات استقصائية، ما أتاح إنتاج محتوى متنوع يشمل الأخبار العاجلة والتحقيقات والوثائقيات والبودكاست، إلى جانب صعود صحافة المواطن.
في إطار تنظيم القطاع وتطويره، عملت وزارة الإعلام منذ عام 2025 على تبسيط إجراءات الترخيص وإصدار مئات الرخص الجديدة، ووضع شروط واضحة للمنصات الرقمية، وفتح المجال أمام الإعلام الأجنبي للعمل بحرية. كما ألغت التراخيص غير المجددة، ونظمت ورشات عمل حول أخلاقيات المهنة، بالتوازي مع العمل على إعداد قانون إعلام حديث يوازن بين الحرية والمسؤولية.
بعد طيّ صفحة القمع والانتهاكات التي ارتكبها النظام البائد، أصبح الصحفي شريكاً أساسياً في بناء سوريا الجديدة، وأضحى الوصول إلى المعلومات الموثوقة حقاً مكفولاً. كما تبنّت المؤسسات الحكومية نهج الشفافية في التعامل مع الصحافة المحلية والأجنبية. هذا التغيير الكبير انعكس مباشرة على أداء الصحفيين، الذين باتوا يمارسون عملهم دون ضغوط سياسية أو أمنية أو تدخلات في تغطياتهم.
ووفقاً لتقرير "مراسلون بلا حدود"، لم تُسجّل سوريا أي حالة قتل لصحفي أو متعاون مع وسائل الإعلام منذ مطلع العام الجاري. في المقابل، تشير إحصاءات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى مقتل 559 إعلامياً على يد قوات النظام البائد بين آذار 2011 وكانون الأول 2024، بينهم 47 قضوا تحت التعذيب، و24 قتلوا على يد حلفاء النظام. وكان عام 2013 الأكثر دموية بنسبة 25% من إجمالي القتلى، يليه عام 2012 بنسبة 18% ثم 2014 بنسبة 16%. أما في ملف الاعتقال، فقد وثقت الشبكة 1047 حالة اعتقال أو اختطاف لصحفيين وعاملين في الإعلام، بينهم 394 ما زالوا في عداد المختفين قسرياً.
بعد التحرير، بدأت وسائل الإعلام بتناول قضايا كانت محرّمة لسنوات طويلة، مثل ملفات الفساد، وأداء المؤسسات العامة، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية، في مشهد يعكس انتقال سوريا من مرحلة التقييد إلى فضاء أرحب من الانفتاح والتعددية. وأصبح الإعلام السوري قادراً على نقل مختلف الآراء، بما فيها وجهات نظر لا تتطابق بالضرورة مع سياسة الدولة، كما توسعت التغطيات لتشمل قضايا مختلف فئات وشرائح المجتمع السوري.
انطلاقاً من أهمية حرية التعبير، جاءت الخطوات التنظيمية الأخيرة، وفي مقدمتها إطلاق مدوّنة السلوك المهني للإعلام السوري 2026، لتؤكد أن التحول الإعلامي ليس عفوياً، بل جزء من مسار مؤسسي يهدف إلى حماية المكتسبات الجديدة وضمان ممارسة إعلامية مسؤولة ومهنية وشفافة، تُسهم في بناء سوريا أكثر انفتاحاً وتوازناً. المدونة التي أطلقتها وزارة الإعلام في الـ 15 من شباط الماضي تراعي خصوصية الواقع الإعلامي بعد التحرير، وتضمن الانتقال من نظام إعلامي سلطوي كان سائداً أيام النظام البائد إلى آخر يستند إلى احترام الإنسان وصون حريته وكرامته. وتمثل المدوّنة مجموعة معايير وقواعد تنظم العمل الإعلامي، يلتزم بها الصحفيون لضمان الدقة والشفافية والموضوعية.
سجلت سوريا أيضاً في الـ 22 من آذار الماضي أكبر زيادة في مؤشر منظمة "فريدوم هاوس" الدولية المعنية برصد الحريات السياسية والمدنية حول العالم، بارتفاع قدره (+5) نقاط. وترتبط هذه الزيادة وفقاً لما أكده وزير الإعلام حمزة المصطفى بجملة من المؤشرات الرئيسية، منها: حرية التعبير والإعلام عموماً، وعدم اعتقال الصحفيين، ووجود مؤسسات صحفية مستقلة وخاصة، إضافة إلى الحريات الشخصية. وفي وقت تشهد فيه عشرات الدول حول العالم تدهوراً في الحريات السياسية والمدنية، تتقدم سوريا بخطا ثابتة لترسم طريقها بعيداً عن الصورة النمطية القاتمة للإعلام السلطوي الموجه، مقدمةً نموذجاً جديداً يقوم على الانفتاح التدريجي وتوسيع مساحة التعبير.
سياسة
سوريا محلي
اقتصاد
سياسة