تدهور أوضاع السوريين في مصر: من ملاذ نسبي إلى واقع هش وتحديات متزايدة بعد سقوط نظام الأسد


هذا الخبر بعنوان "من ملاذ نسبي إلى واقع هش.. كيف تغير وضع السوريين في مصر؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شكلت مصر، منذ اندلاع الحرب في سوريا، إحدى الوجهات التي قصدها السوريون بحثًا عن الاستقرار، بعيدًا عن مسارات اللجوء الأكثر تعقيدًا في دول أخرى. وعلى مدى أكثر من عقد، ارتفع عدد السوريين المسجلين رسميًا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر من نحو 12 ألفًا و800 شخص نهاية عام 2012، إلى أكثر من 147 ألفًا بحلول نهاية عام 2024. ووفقًا لما نشرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يمثل الوجود السوري خلفيات اجتماعية واقتصادية ودينية مختلفة. في المقابل، ذكرت بيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) أن عدد المهاجرين السوريين المقيمين في مصر بلغ نحو 1.5 مليون شخص، وذلك في تقرير نُشر عام 2022.
لسنوات، نُظر إلى مصر بوصفها مساحة أكثر استقرارًا نسبيًا للسوريين، مقارنة بتجارب أكثر تعقيدًا في دول أخرى. وتمكن كثيرون من بناء مشاريع صغيرة، والعمل في قطاعات مختلفة، والاستقرار ضمن بيئة أقل توترًا على المستوى المجتمعي. لكن هذا الواقع بدأ يواجه تحولات تدريجية بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، مع تصاعد تعقيدات الإقامة، وتشديد الإجراءات المرتبطة بالتجديد والدخول، إلى جانب تقارير حقوقية تتحدث عن حملات أمنية وتوقيفات طالت سوريين في مناطق مختلفة.
ورغم غياب أرقام دقيقة ومحدثة حول عدد السوريين الذين غادروا مصر مؤخرًا، تشير آخر التقديرات المتاحة إلى عودة نحو 28 ألف سوري من مصر إلى بلادهم خلال عام 2025. يتزامن هذا المشهد مع تصاعد الحديث عن صعوبات متزايدة في تجديد الإقامات، إلى جانب تحديات اقتصادية تشمل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل شريحة من السوريين أكثر هشاشة. وفي هذا السياق، تحذر قراءات حقوقية من أن الجمع بين التضييق الإداري، وصعوبات الإقامة، والخوف من الاحتجاز، قد يدفع بعض السوريين إلى اتخاذ قرارات بالمغادرة لا ترتبط دائمًا بخيار حر بالكامل، بل بواقع ضاغط يضيق فيه هامش الاستقرار.
يرى حقوقيون أن التحولات الجارية تستدعي مراقبة أوضح، خصوصًا في طبيعة أوضاع المحتجزين، أو المسارات القانونية المتاحة لتسوية أوضاع المقيمين. ويجب أن يستند التغير في سياسات التعامل مع السوريين إلى معايير قانونية شفافة، تضمن حماية اللاجئين وطالبي اللجوء، وتحافظ على مبدأ “العودة الآمنة والطوعية”، بعيدًا عن الضغوط غير المباشرة أو الهشاشة القانونية.
في هذا السياق، قال مدير منظمة سوريون من أجل العدالة، الحقوقي بسام الأحمد، إن تقييم السياسات المصرية تجاه السوريين خلال المرحلة الحالية يميل بوضوح إلى الجانب السلبي. وأشار خلال حديثه لعنب بلدي إلى أن هذا التحول انعكس على أوضاعهم القانونية والأمنية، سواء من خلال تصاعد التضييق الأمني أو بروز إشكاليات قانونية متزايدة. وأضاف أنه رغم أن الوضع في مصر لا يمكن مقارنته حتى الآن بما شهده السوريون في دول مثل لبنان أو تركيا من حيث حجم التضييق أو الترحيل، إلا أن الصورة الإيجابية التي ارتبطت سابقًا بوجود السوريين في مصر باتت أكثر صعوبة. واعتبر أن السوريين دخلوا تدريجيًا في “مرحلة سلبية” من حيث طبيعة التعامل معهم.
رصدت حالات عديدة لسوريين غادروا مصر خلال الفترة الماضية، موضحًا أن دوافع المغادرة لا ترتبط فقط بالعوامل الاقتصادية أو القانونية، بل تشمل أيضًا اعتبارات سياسية وأيديولوجية. وبحسب الأحمد، فإن أحد العوامل المؤثرة يتمثل في موقف الحكومة المصرية من طبيعة السلطة الجديدة في سوريا، وما وصفه بعدم ارتياح تجاه وجود سلطة من خلفيات إسلامية أو جهادية، وهو ما انعكس، إلى حد ما، على طريقة التعامل مع السوريين المقيمين في مصر. هذا العامل السياسي يتقاطع مع سياق دولي أوسع، إذ تواجه فئات من السوريين تضييقًا متزايدًا في عدة دول، سواء في أوروبا أو تركيا أو لبنان، انطلاقًا من طرح متكرر مفاده أن السوريين غادروا بلادهم بسبب الحرب والنزاع. ومع سقوط نظام بشار الأسد وتغير المشهد السياسي، بدأ يطرح تساؤل حول استمرار المبرر القانوني للجوئهم.
وأوضح الأحمد أن هذا المنطق، سواء في مصر أو في دول أخرى، يتعامل مع سقوط النظام السابق بوصفه تحولًا قد يستخدم لإعادة النظر في أسباب الحماية أو اللجوء، رغم أن الواقع أكثر تعقيدًا من مجرد تغير السلطة. ولفت إلى أن حالة عدم الاستقرار الداخلي في مصر نفسها قد تلعب دورًا إضافيًا في إعادة تشكيل طريقة التعاطي مع ملف السوريين، في ظل ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة. وأكد الأحمد أن مسألة بقاء السوريين في دول اللجوء لا يمكن النظر إليها باعتبارها مفتوحة إلى ما لا نهاية. لكنه شدد في الوقت نفسه أن أي حديث عن العودة يجب أن يستند إلى شروط واضحة، تقوم على العودة الآمنة والطوعية والكريمة، لا على الضغوط أو التسييس. وأضاف أن النقاش حول العودة لا ينبغي أن يقتصر على مبدأ العودة بحد ذاته، بل يجب أن يشمل الظروف التي ستتم فيها، والضمانات المطلوبة، ومدى توافر بيئة آمنة فعلية داخل سوريا.
وفيما يتعلق بالأعداد، أوضح الأحمد أنه لا توجد أرقام دقيقة أو محددة بشأن عدد السوريين الذين غادروا مصر مؤخرًا، إلا أن التقديرات تشير إلى أن العدد يقدر بالآلاف. وشدد على ضرورة عدم تحويل ملف اللاجئين السوريين إلى قضية مسيسة، معتبرًا أن جزءًا من التعقيد الحالي يرتبط فعلًا بالموقف السياسي من التحولات الجارية في سوريا، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أوضاع السوريين خارجها.
تتجه أوضاع السوريين في مصر نحو مزيد من التعقيد مع تصاعد القيود المرتبطة بالإقامة وتزايد حالات التوقيف، ما يضع آلاف اللاجئين أمام واقع قانوني وإنساني هش، ويفاقم المخاوف من الاحتجاز أو الترحيل، وسط غياب حلول واضحة تضمن الاستقرار. وقالت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، في 16 من نيسان الماضي، إن الفترة الممتدة بين كانون الثاني ونيسان 2026 شهدت تدهورًا ملموسًا في الأوضاع القانونية والإنسانية للسوريين في مصر، حيث تمثل في احتجازات طالت سوريين، بينهم مسجلون لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى جانب تصاعد ضغوط غير مباشرة تدفع بعضهم إلى مغادرة البلاد.
من جهته، قال مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إن مصر تستضيف أكثر من مليون لاجئ وطالب لجوء مسجلين، استنادًا إلى بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وأشار إلى أن السوريين يعدون من أبرز المجموعات المتأثرة بالإجراءات الأخيرة. وأضاف عبد الغني، في حديث إلى عنب بلدي، أن تقديرات من مصادر في المفوضية تشير إلى اعتقال ما لا يقل عن ثلاثة آلاف لاجئ وطالب لجوء خلال الشهرين الأولين من العام الحالي، في حين يقدر بعض المحامين العاملين في مصر العدد بما يتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف حالة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة