مضيق هرمز: صراع النفوذ الاقتصادي بين واشنطن وطهران وتأثيره على الجغرافيا السياسية


هذا الخبر بعنوان "هرمز سابقاً.. “مضيق إيران” أم “مضيق ترامب”؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم سميح صعب: تجاوزت الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأسابيع الثمانية، خلافاً لتوقعات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنها لن تتعدى نصف تلك المدة. استندت هذه التوقعات الخاطئة إلى افتراض انهيار النظام الإيراني بعد استهداف قياداته السياسية والعسكرية والأمنية في 28 شباط/فبراير 2026. بعد أربعين يوماً، توقفت العمليات العسكرية المباشرة، لتحل محلها حرب اقتصادية لا تقل تدميراً وتأثيراً في إعادة رسم الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط والعالم.
اكتشفت إيران أن إغلاقها لمضيق هرمز يمثل سلاح ردع فتاك وأكثر فعالية من الصواريخ والمسيّرات. في المقابل، أدرك ترامب أن الحصار البحري الأميركي للموانئ الإيرانية، الذي بدأ في 13 نيسان/أبريل، يوفر له وسيلة ضغط أكثر جدوى من العمليات العسكرية لدفع القيادة في طهران نحو تسوية بمرونة أكبر. جميع المقترحات المتبادلة بين أميركا وإيران، بوساطة باكستان، تدور حول مضيق هرمز.
يبرز خلاف جوهري حول ترتيب الأولويات في المفاوضات. فإيران تصر على البدء بمناقشة وضع المضيق والحصار البحري قبل التطرق إلى الملف النووي. بينما يطالب ترامب بتسوية نووية أولاً، تتضمن موافقة إيرانية على تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاماً على الأقل، بهدف تحقيق اتفاق يختلف عن الاتفاق النووي لعام 2015 الذي أبرمه الرئيس الديموقراطي باراك أوباما. وليس من المبالغة القول إن عداء ترامب للديموقراطيين يفوق عداءه لإيران، وهو ما تجلى في السجالات بين السيناتورات الديموقراطيين ووزير الحرب بيت هيغسيث بعد شهرين من الحرب.
لتجنب الحصول على تفويض من مجلس الشيوخ لاستخدام القوة، بات ترامب يستخدم مصطلح “العمليات العسكرية” في إيران بدلاً من “الحرب”. وتبقى المعضلة الرئيسية حالياً هي أن الطرف الذي يملك القدرة على تحمل الخسائر الأكبر جراء الحصار البحري وإغلاق المضيق، هو من سيتحكم ببنود أي اتفاق مستقبلي.
تصر إيران على تضمين الاتفاق فرض رسوم على السفن العابرة للممر الجغرافي، خلافاً لما كان سائداً قبل الحرب. في المقابل، ترفض أميركا هذا المطلب الإيراني وتتمسك بالفتح الفوري للمضيق. يُذكر أن ترامب كان قد طرح في البداية فكرة تقاسم الرسوم مع إيران، قبل أن يتراجع عنها تحت إصرار دول الخليج العربية على رفض الفكرة. وقد أشار الرئيس الأميركي أكثر من مرة إلى مضيق هرمز باسم “مضيق ترامب”، في اختبار لردود الفعل، وهو المعروف بولعه بإطلاق اسمه على الأماكن.
مهما كان الوضع الذي سيستقر عليه مضيق هرمز في نهاية الحرب، فمن الصعب عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 28 شباط/فبراير الماضي. ومن المؤكد أن الترتيبات الجديدة في هرمز ستنعكس على مضائق جغرافية أخرى في العالم، مثل مضيق ملقا الفاصل بين المحيطين الهادىء والهندي، ومضيق تايوان، ومضيق جبل طارق.
حتى لو تم التوصل إلى اتفاق أميركي-إيراني بشأن “الحصار” و”الإغلاق” و”النووي”، فقد شرعت دول الخليج في التفكير ببدائل. وقد تجلت أولى الظواهر الجيوسياسية من دولة الإمارات العربية المتحدة، التي انسحبت من منظمتي “أوبيك” و”أوبيك-بلاس” في وقت سابق من الأسبوع، وسط تكهنات باحتمال انسحابها من مجلس التعاون الخليجي ومن جامعة الدول العربية.
هناك دول خليجية أخرى ستجد أنه لا بد من إبرام اتفاقات مع طهران، لأن شق الطرق البديلة لتصدير الطاقة يحتاج إلى سنوات، ولأن هذه الطرق يجب أن تكون بمنأى عن هجمات إيرانية. وبحسب نائب المبعوث الأميركي الخاص السابق لإيران ريتشارد نيفيو، فإنه “كلما طال أمد هذا (الوضع)، زادت احتمالات أن تتطلع الدول إلى حماية مصالحها الاقتصادية الخاصة وعقد صفقات مع الإيرانيين، حتى لو أثار ذلك غضب الولايات المتحدة”.
وهذا أحد الأسباب التي جعلت مجلة “الأتلانتيك” الأميركية ترجح “حصول تغيير في الجغرافيا الاقتصادية للخليج إلى الأبد”. وقال المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية ريتشارد هاس: “حتى لو لم تكن لإيران سيطرة صريحة (على المضيق)، فهناك دائماً الآن قدر ضمني من السيطرة.. ومن مفارقات هذه الحرب أن إيران اكتشفت أن لديها هذا السلاح. كان هناك الكثير من الحديث عن القدرة النووية، لكن لديهم مضيق”.
لكن المسؤول السابق عن شؤون الخليج في وزارة الدفاع الأميركية ديفيد دي روش، لا يتفق مع هذا الرأي، إذ يقول إن “إيران تمكنت من خلق أزمة ثقة في السوق. لكن التعطيل لا يعني السيطرة.. وبعد الحصار البحري الأميركي، فإن (طهران) تواجه المحاسبة”. وهنا، تنسب صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية إلى محللين أن الحصار البحري الأميركي جعل إيران تسعى إلى حل سياسي مع أميركا، لأن الحصار أوجد ثغرة في الاستراتيجية التي اتبعتها منذ نحو نصف قرن في ما يتعلق بنجاحها في الالتفاف على العقوبات الأميركية ومواصلة تصدير نفطها.
لا ترى الصحيفة أن الطرق البديلة ستكون كافية، في وقت تعمل إيران على تصدير جزء من نفطها إلى الصين بواسطة السكك الحديد، واستيراد المواد الغذائية من طريق القوقاز وباكستان. وبحسب رابطة الشحن الإيرانية، فإن 40 في المئة فقط من صادرات البلاد يمكن تحويلها من الموانئ المحاصرة إلى منافذ أخرى. وقد فقدت العملة الوطنية الإيرانية نصف قيمتها منذ نحو عام. لكن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد أن طهران ستجد قريباً وسائل “لتحييد القيود” الأميركية.
ويرى الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية حميد رضا عزيزي، أن “صانعي القرار الإيرانيين سيجدون قريباً أن تجدد الصراع أقل كلفة من الاستمرار في تحمل الحصار الطويل الأمد”. وقد تلجأ إيران إلى ردود مختلفة، بينها سد مضيق باب المندب بواسطة الحوثيين، أو مهاجمة السفن الأميركية من غواصات، أو أن تعمد إلى تنفيذ تهديد الحرس الثوري بقطع كابلات الإنترنت في مضيق هرمز، الأمر الذي قد يتسبب بتعطيل البنى التحتية للاتصالات في المنطقة.
وفوق هذا، قد لا يحصل ترامب على الجواب الذي ينتظره من إيران بالسرعة الكافية. وماذا لو استغرق الأمر أشهراً أو حتى سنوات، مما سيحدث تغيراً في أولويات الصراع لدى الولايات المتحدة ويدفعها إلى الاحتفاظ بقوة عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط، على حساب مناطق أخرى مضطربة أو مرشحة للاضطراب. ويوجد الآن ما لا يقل عن 21 سفينة أميركية في المنطقة، وهو الحشد الأكبر منذ غزو العراق عام 2003. وأقر القائم بأعمال مراقب البنتاغون جولز هيرست، أمام الكونغرس، الخميس الماضي، أن كلفة الصراع بلغت حتى الآن 25 مليار دولار. أما النائب الديموقراطي رو خانا، فكشف أن الحرب ستكلف الأسرة الأميركية 5000 دولار سنوياً نتيجة لزيادة أسعار الطاقة والغذاء. وهوت نسبة تأييد ترامب إلى 34 في المئة، وفق استطلاع أجرته “رويترز/إيبسوس” في وقت سابق من الأسبوع. وقالت وكالة الطاقة الدولية، إن العالم يقف على حافة “أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ”.
وفي ظل هذه المناخات من الاحتدام، لم تنقطع خيوط الاتصالات وتبادل الاقتراحات. وبرزت مرونة إيرانية في آخر اقتراح نقلته إسلام آباد إلى واشنطن، إذ تضمن البدء في مناقشة شروط طهران لفتح مضيق هرمز مع الحصول على ضمانات بعدم شن هجمات أميركية وبإنهاء الحصار على الموانئ الإيرانية. وفي الاقتراح السابق، اشترطت إيران رفع الحصار الأميركي والموافقة على إنهاء الحرب قبل الدخول في الحديث حول مستقبل إدارة المضيق أو مناقشة البرنامج النووي. لكن الاقتراح الإيراني الجديد لم يحز على رضا ترامب.
ويبقى السؤال المركزي: هل تنتهي الحرب بهرمز، كي يكون “مضيق إيران” أم “مضيق ترامب”؟
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة