الاستثمارات في سوريا: لماذا تبقى وعود القصر الجمهوري حبيسة التصريحات لا المشاريع؟


هذا الخبر بعنوان "القصر مزدحم بالوعود.. لماذا لا تأتي الاستثمارات إلى سوريا؟" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ عام ونصف، تتوالى صور الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وهو يجتمع برجال أعمال سوريين وعرب وأجانب في قصر الشعب. ورغم كثافة هذه اللقاءات، فإنها لم تسفر عن أي نتائج ملموسة على أرض الواقع. أصبح المشهد مألوفاً: صور رسمية من القصر الجمهوري، أحاديث عن فرص استثمارية وتسهيلات، إشارات إلى اهتمام خارجي، وربما توقيعات أولية، لكن كل ذلك لا يتجاوز كونه وعوداً. فلا مشاريع تُطلق، ولا استثمارات تتحول إلى حقيقة، ولا الاقتصاد السوري يجد متنفساً.
في سياقات أخرى، قد يُفسر هذا التباين على أنه مجرد تأخير طبيعي في التنفيذ، لكن في الحالة السورية، يرى الكاتب محمد محمود هرشو أن المشكلة أعمق بكثير. فالاستثمار الحقيقي لا ينطلق من مجرد "فرصة"، بل من تقييم دقيق للمخاطر، وهي النقطة التي تتعثر عندها جميع هذه اللقاءات. أي مستثمر جاد، سواء كان إقليمياً أو دولياً، يبحث أولاً عن الاستقرار السياسي والأمني، ووضوح الأطر القانونية، وقدرة المؤسسات على إنفاذ العقود وحماية الحقوق. هذه ليست مجرد تساؤلات نظرية، بل هي شروط جوهرية تؤكدها تقارير مؤسسات دولية مرموقة مثل البنك الدولي ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، والتي تشير بوضوح إلى أن رؤوس الأموال تتجه نحو البيئات المستقرة والقابلة للتنبؤ، وتتجنب تلك المعرضة لتقلبات وتصعيد محتمل.
إن الواقع الحالي في سوريا لا يوفر هذه الطمأنينة المطلوبة. فبلد لم يحقق استقراراً سياسياً بعد، ولا يزال عرضة لتقلبات أمنية، ويعاني من ضغوط اقتصادية واجتماعية هائلة، لا يمكن أن يُعد وجهة استثمارية طبيعية. هذه ليست نظرة متشائمة، بل هي حقيقة اقتصادية راسخة: الاستثمار يتطلب بيئة مستقرة، وليس مجرد وعود.
ومع ذلك، تستمر هذه اللقاءات وتتكثف، مما يثير تساؤلاً جوهرياً: إذا كان المستثمر الجاد لا يقدم على هذه الخطوة، فلماذا هذا الإصرار على إظهار عكس ذلك؟ الإجابة الأكثر ترجيحاً هي أن هذه الاجتماعات لم تعد تُفسر كمسار اقتصادي حقيقي، بل تحولت إلى أداة سياسية ونفسية. فبلد يعيش فيه الملايين تحت خط الفقر يحتاج إلى بصيص أمل، وإلى إيحاء بوجود اهتمام خارجي، وبأن هناك أموالاً قد تتدفق. في هذا السياق، تتحول الصور والبيانات الرسمية إلى بديل مؤقت عن النتائج الملموسة، وتصبح "الاستثمارات المعلنة" جزءاً من خطاب التهدئة الاجتماعية، بدلاً من أن تكون جزءاً من سياسة اقتصادية متكاملة.
لكن المشكلة تكمن في أن هذا الخطاب، إذا لم يُترجم إلى واقع، يفقد فعاليته بمرور الوقت. فالفجوة بين ما يُعلن وما يتحقق لا يمكن إخفاؤها طويلاً، بل تتحول إلى مصدر إحباط إضافي. فالمجتمع لا يقيم الوضع الاقتصادي بالكلمات، بل بما يلمسه: فرص عمل، مشاريع قائمة، وحركة إنتاجية نشطة. وعندما تغيب هذه المؤشرات، تتآكل الثقة، ليس فقط بالوعود، بل بالمسار الاقتصادي برمته.
علاوة على ذلك، تكشف طبيعة هذه اللقاءات عن خلل هيكلي أعمق. ففي الاقتصادات المستقرة، لا يبدأ المستثمر رحلته من القصر، بل من المؤسسات المعنية: هيئات الاستثمار، وزارات الاقتصاد، الأطر القانونية الواضحة، فرق التفاوض المتخصصة، ودراسات الجدوى. أما عندما يصبح القصر هو نقطة الدخول الأساسية، فهذا غالباً ما يشير إلى أن ما دونه من مؤسسات غير مكتمل أو غير كافٍ. يلجأ المستثمر إلى أعلى المستويات السياسية لأنه لا يجد مساراً مؤسسياً واضحاً يضمن حقوقه. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن المشكلة ليست في استقطاب الاستثمار، بل في البيئة التي من المفترض أن تستقبله.
والأخطر من ذلك هو أن الانطباع السائد حول بيئة الاستثمار، حتى لو لم يكن مبنياً بالكامل على وقائع مثبتة، يكفي لإبعاد رؤوس الأموال. ففي عالم الاستثمار، لا تُبنى القرارات على الحقائق المجردة فحسب، بل على التوقعات والانطباعات أيضاً. أي شعور بأن الدخول إلى السوق يتطلب ترتيبات غير شفافة، أو علاقات خاصة، أو تفاهمات غير مؤسسية، كفيل بإجهاض أي مشروع قبل أن يبدأ. هذه ليست اتهامات، بل هي طبيعة عمل رأس المال الذي يفضل البيئات الواضحة والمستقرة، حتى لو كانت أقل ربحية.
ختاماً، لا يمكن للاقتصاد أن ينهض بالاعتماد على اللقاءات أو الصور أو الوعود وحدها. فالاستثمار عملية معقدة تبدأ بالاستقرار، وتُبنى على الثقة، وتُدار من خلال مؤسسات راسخة، وتُقاس بنتائج ملموسة. وما لم تتوفر هذه العناصر الأساسية، ستبقى الاستثمارات في سوريا حبيسة الأوراق والتصريحات وقاعات القصر، بعيداً عن المصانع والحقول والأسواق. القضية، ببساطة، ليست في غياب المستثمرين، بل في غياب الشروط التي تحفزهم على القدوم. وحتى تتغير هذه الشروط، سيبقى المشهد على حاله: حركة سياسية نشطة، واقتصاد ينتظر بداية لم تأتِ بعد.
سوريا محلي
ثقافة
اقتصاد
اقتصاد