بلاغ الداخلية السورية لتنظيم التظاهر يثير جدلاً حقوقياً: خبراء يحذرون من "معايير فضفاضة" وتغول السلطة التنفيذية


هذا الخبر بعنوان "التظاهر في سوريا.. قانونيون يحذرون من “المعايير الفضفاضة”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار البلاغ الرسمي الصادر عن وزارة الداخلية السورية، والذي يهدف إلى تنظيم آلية التظاهر السلمي في سوريا، نقاشًا قانونيًا وحقوقيًا واسعًا في الأوساط السورية. ففي حين اعتبرت الوزارة هذا البلاغ خطوة ضرورية لـ"تأطير حرية التعبير" وحماية السلم الأهلي بعد حوادث عنف شهدتها العاصمة، يرى خبراء قانونيون أن البلاغ تضمن معايير "فضفاضة" لمنح التراخيص، وكرّس سيطرة السلطة التنفيذية على الحق في التجمع، وذلك في ظل غياب رقابة قضائية مستقلة وفعّالة.
نص البلاغ، الذي أصدرته وزارة الداخلية السورية في 3 من أيار، على تشكيل لجنة من رئيس وعضوين لتقديم طلب التظاهرة إلى المحافظة، التي تحيله بدورها إلى "لجنة مختصة" للبت فيه. ومنح البلاغ اللجنة مهلة خمسة أيام للرد، معتبرًا أن عدم ورود رد خلال هذه المدة يُعد "موافقة ضمنية". وفي حالة الرفض، يجب أن يكون القرار معللًا وقابلًا للطعن أمام محكمة القضاء الإداري التي تبت فيه خلال أسبوع بقرار مبرم.
وتضمن البلاغ التزامات على المنظمين أبرزها الحفاظ على النظام العام، والتعهد بمنع أي قول أو فعل يتعارض مع مضمون الترخيص، مع حظر صارم لحمل أي سلاح حتى لو كان مرخصًا. وأكدت الوزارة أنها ستوفر الحماية اللازمة للمظاهرة، محذرة من أن أي تجمع ينظم دون ترخيص سيُصنف ضمن "التظاهرات وتجمعات الشغب" المعاقب عليها في قانون العقوبات.
في تصريح لقناة "الإخبارية" السورية، كشف المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، عن تفاصيل إجرائية وفلسفة قانونية وصفها بأنها تقوم على "التنظيم لا المنع". وأكد البابا أن الدولة السورية الجديدة "ترفض نهج مصادرة الآراء"، مشيرًا إلى أن تنظيم التظاهر بات ضرورة عالمية، خاصة في ظل "التجييش عبر وسائل التواصل الاجتماعي".
وحدد البابا "خارطة طريق" للمتظاهرين تبدأ بتحديد الأهداف وتقديم طلب لدى المحافظة، وانتهاءً بتوقيع تعهد لدى الكاتب بالعدل يتحمل فيه المنظمون المسؤولية القانونية والمادية عن أي أضرار. وفيما يخص معايير الرفض، أوضح أنها تشمل تقييم "خلفية المنظمين" للتأكد من عدم ارتباطهم بـ"شبكات المصالح التابعة للأنظمة السابقة"، ودراسة "الجو العام" لتجنب التوترات الأمنية. وشدد البابا على أن الترخيص هو "صك حماية" للمتظاهرين، مضيفًا أن التعامل مع المظاهرات غير المرخصة سيكون متدرجًا يبدأ بالحوار وطلب فض التجمع، وصولًا إلى استخدام "القوة بقدر" ضد المرتكبين المباشرين فقط. وختم بالتأكيد على أن البلاغ ليس نهائيًا وأن الوزارة منفتحة على ملاحظات الحقوقيين لتطويره.
في مقابل الطرح الرسمي، قدم كل من الدكتور أحمد قربي (دكتوراه في القانون العام) والخبير في القانون الدولي المعتصم بالله الكيلاني قراءتين قانونيتين نقديتين للبلاغ، في حديثهما إلى عنب بلدي، أجمعا فيهما على وجود ثغرات دستورية وحقوقية جوهرية، وانفراد السلطة التنفيذية بالقرار، رغم إقرارهما بوجود نقاط شكلية إيجابية محدودة.
اتفق الخبيران على أن المعايير التي ستُعتمد في منح الترخيص أو رفضه تمثل الإشكالية الأخطر في البلاغ. اعتبر الدكتور أحمد قربي أن مصطلحات مثل "خلفية المتقدمين" و"الجو العام" هي "معايير فضفاضة جدًا تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة"، مشيرًا إلى أن هذا التوسع مرتبط بـ"غياب قانون العزل السياسي"، مما يحول الترخيص إلى أداة لتقييم "الولاء السياسي" بدل أن يكون إجراءً إداريًا محايدًا.
من جانبه، ذهب الخبير الدولي المعتصم الكيلاني إلى توصيف أكثر حدة، معتبرًا أن ربط ممارسة حق دستوري بتقييم "مواقف المتقدمين السابقة من الشعب السوري" أو "درجة رضى السلطة" يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون. وأوضح الكيلاني أن غموض هذه العبارات "يهدم مبدأ اليقين القانوني الذي يفرض أن تكون القيود على الحريات واضحة ومحددة مسبقًا"، محذرًا من أن هذه الصياغات "تعيد إنتاج أدوات المنع السياسي التي عرفتها سوريا لعقود، حتى وإن جاءت بلغة جديدة مرتبطة بالمرحلة الانتقالية".
لم يقتصر النقد على المعايير، بل امتد ليشمل طبيعة "اللجنة المختصة" التي ستنظر في الطلبات. فقد أكد الدكتور القربي أن هذه اللجنة "إدارية وليست قضائية"، وهذا بحد ذاته لا يشكل مشكلة من حيث المبدأ. لكن "المشكلة أن اللجنة المختصة مجهولة، وهي على الأغلب ذات اللجنة المذكورة بالمرسوم 54 الخاص بقانون التظاهر في عهد النظام السابق (بشار الأسد). وهذا يتناقض مع مبدأ تحديد الجهة المختصة، فمن حق المواطن أن يعرف تركيبتها".
واتفق معه الكيلاني في تشخيص الخلل، موضحًا أن "غياب أي تعريف واضح لتشكيل اللجنة وآلية اختيار أعضائها وضمان استقلالهم عن وزارة الداخلية يخلق تضاربًا خطيرًا في المصالح". وأضاف الكيلاني: "عندما تكون الجهة الأمنية نفسها هي التي تنظم التظاهر وتمنح الترخيص وتقرر المنع ثم تتولى فض المظاهرة بالقوة، فإن ذلك يجعل الدولة خصمًا وحكمًا في آن واحد". ووفق تعبير القربي، "وجود جهة قضائية مستقلة هو الضمانة الأفضل لحيادية القرار ومنع تغول السلطة التنفيذية على حقوق المواطنين".
أقر الخبيران بوجود نقطة إيجابية في البلاغ، تتعلق بإلزام جهة الإدارة بتعليل قرار الرفض. فقد أوضح الدكتور القربي أن "الأصل أن الإدارة ليست ملزمة بتعليل قراراتها، لكن هذا الإلزام يفتح الباب لرقابة القضاء الإداري على عنصر التسبيب". غير أن الخبيرين عادا وشددا على أن فعالية هذه الرقابة تبقى "نظرية" في ظل غياب استقلال حقيقي للقضاء الإداري، وهو ما يثير ما أسماه الكيلاني "أزمة ثقة عميقة" لدى المجتمع.
في المقابل، أجمع الخبيران على انتقاد لاذع للإحالة إلى المواد "335" و"338" من قانون العقوبات لتجريم التظاهر غير المرخص. واعتبر القربي أن "هذه الإحالة تتعارض مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي ينص على أن التجمع السلمي غير المرخص بحد ذاته ليس جريمة، إنما يصبح جريمة عند ارتكاب انتهاكات كالشغب أو حمل السلاح". أما الكيلاني فقد وضع هذه النقطة في سياق العدالة الانتقالية، معتبرًا أن "استمرار العمل بهذه النصوص التي استُخدمت تاريخيًا كأداة لقمع الحريات السياسية، يثير تساؤلات جدية حول مدى حدوث قطيعة فعلية مع الإرث القانوني الأمني القديم، ويعبّر عن استمرار فلسفة تعتبر التجمع الشعبي تهديدًا أمنيًا قبل أن تراه حقًا دستوريًا".
شكل بند إلزام المنظمين بتعهد عدلي يتحملون فيه مسؤولية "أي أضرار أو تداعيات سلبية" محورًا لانتقاد قانوني حاد من الخبيرين معًا. وشرح الدكتور القربي أن هذا الشرط "يتعارض مع مبدأ شخصية العقوبة في القانون؛ فمنظم للتظاهرة ليس مسؤولًا عن سلوك الأشخاص الموجودين معه، فهم ليسوا موظفين لديه". وأضاف أن "هذه الفكرة تتناقض مع قواعد المسؤولية المدنية والجزائية التي تنص على شخصية المسؤولية والعقوبة".
ووصف الكيلاني هذا البند بأنه يتحول عمليًا إلى "وسيلة لترهيب المواطنين ومنعهم من تنظيم أي نشاط عام"، مضيفًا أنه "يقترب من فكرة المسؤولية الجماعية المرفوضة قانونًا ودستوريًا". ويرى الكيلاني أن تحميل المنظمين مسؤولية أي أعمال تخريب قد يقوم بها مندسون أو جهات مخربة "يخلق ظلمًا قانونيًا واضحًا، ويحوّل ممارسة الحق الدستوري إلى مخاطرة جنائية مفتوحة".
انتقد الكيلاني تفاصيل التعامل الميداني، وأشار إلى أن "الاكتفاء بعبارات عامة مثل "استخدام القوة بقدر" دون النص صراحة على مبادئ الضرورة والتناسب والتدرج، يمثل فراغًا قانونيًا خطيرًا". وأوضح أن "المعايير الدولية تشترط ألا تُستخدم القوة إلا كملاذ أخير وبالحد الأدنى بعد استنفاد الوسائل السلمية"، محذرًا من أن غياب هذه الضمانات "يخلق بيئة تسمح بتبرير الاستخدام المفرط للقوة تحت شعارات 'مكافحة الشغب'، ويعيد إنتاج العقيدة الأمنية القائمة على أولوية السيطرة الأمنية على حساب الحقوق".
اعتبر الدكتور أحمد القربي في تقييمه العام أن "الرسائل السياسية التي وصلت من هذا البلاغ كلها سلبية، وهكذا فهمها الشارع السوري"، مضيفًا: "عندما تنظم الحق ببلاغ وليس بمرسوم، وتتعامل معه على أساس القيد وليس التنظيم، فهذا يرسل رسالة أن الدستور مجرد حبر على ورق". غير أنه يرى أن ردود الفعل الرافضة للبلاغ، إضافة إلى تصريح المتحدث باسم الداخلية بأنه "قابل للتطوير"، يمثلان "شيئًا إيجابيًا" قد يدفعان لإعادة النظر فيه.
أما الكيلاني فختم بالإشارة إلى مطلب إصلاحي جوهري، معتبرًا أن "ضمان حرية التجمع في المرحلة الانتقالية يتطلب إصلاحًا قضائيًا جذريًا يشمل إنشاء آليات عاجلة وسريعة للرقابة، إضافة إلى توفير حماية حقيقية للقضاة من التدخلات السياسية، لإخراج الحق في التظاهر من دائرة الضبط الأمني إلى فضاء الحق الدستوري المكفول".
اقتصاد
سياسة
سياسة
سياسة