الفقر في ألمانيا: أزمة تتفاقم وتطال العاملين والمتقاعدين رغم الجهود


هذا الخبر بعنوان "دويتشه فيله : رغم العمل .. مواطنون تحت خطر الفقر في ألمانيا" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُشير الإحصاءات إلى أن واحدًا من كل ستة أشخاص تقريبًا في ألمانيا يواجه خطر الوقوع في براثن الفقر، وهو رقم يخفي وراءه معاناة يومية لأفراد يضطرون إلى تدقيق كل نفقاتهم بعناية فائقة. يُصنّف الشخص فقيرًا في ألمانيا إذا كان دخله الصافي الشهري يقل عن 1446 يورو. أما بالنسبة لأسرة مكونة من شخصين بالغين وطفلين، فيرتفع حد الفقر إلى 3036 يورو. من يقل دخلهم عن هذه الحدود يجدون أنفسهم عاجزين عن تحمل تكاليف العديد من الأمور التي تعتبر أساسية للآخرين، مثل تناول الطعام خارج المنزل، أو شراء ملابس جديدة، أو حتى قضاء إجازة قصيرة.
وفقًا لتقرير صادر عن صحيفة تاغس شاو الألمانية، يتزايد الفقر في ألمانيا منذ سنوات. ففي عام 2023، كان 14.4% من السكان معرضين لخطر الفقر، وارتفعت هذه النسبة إلى 15.5% في عام 2024، ثم إلى 16.1% في عام 2025. تتأثر مجموعات معينة بشكل خاص بهذه الظاهرة، ومنها الآباء والأمهات العازبون (28.7%)، والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم (30.9%)، والعاطلون عن العمل (64.9%)، والمتقاعدون (19.1%).
تجسد قصة كاتيا، التي تعمل في “أينلادن” – وهو بنك طعام تابع لمنظمة دياكوني الخيرية ومركز يوفر المواد الغذائية والسلع بأسعار زهيدة – واقع الكثيرين. بالنسبة لكاتيا، يُعد هذا المركز خطوة نحو إعادة الاندماج في المجتمع بتمويل من مركز التوظيف، وليس عقد عمل رسمي. تتلقى كاتيا شون دعمًا للدخل الأساسي، وبعد خصم جميع النفقات الثابتة، يتبقى لها حوالي 400 يورو شهريًا للطعام والضروريات الأخرى، حسب ما ورد في تقرير تاغس شاو. تخطط كاتيا لمشترياتها بدقة وتؤجل بعضها من شهر لآخر. على الرغم من عملها السابق في مجال التمريض، إلا أن المرض والانفصال عن شريك حياتها غيّرا مسار حياتها بالكامل. اليوم، هي أم عزباء لطفلة صغيرة، وتقول: “أريد أن تعيش طفلتي أقل قدر ممكن من المتاعب”. ساعات العمل المعتادة في التمريض، بما فيها النوبات الصباحية والمسائية وعطلات نهاية الأسبوع، لا تتناسب إطلاقًا مع رعاية طفلتها الصغيرة.
تُظهر الأبحاث حول الفقر أنه لم يعد ظاهرة هامشية في ألمانيا، بل أصبح أقرب إلى الطبقة المتوسطة. تعود أسباب ذلك إلى أزمات متتالية، منها جائحة فيروس كورونا، والارتفاع الكبير في أسعار الطاقة عقب الحرب في أوكرانيا، والتضخم المرتفع باستمرار الذي تفاقم مؤخرًا بسبب الحرب في إيران. ونتيجة لذلك، أصبحت تكاليف السكن والمواصلات والتدفئة والغذاء مرتفعة بشكل ملحوظ، لا سيما بالنسبة للأسر ذات الدخل المنخفض.
يشهد التضخم ارتفاعًا متجددًا؛ ففي مارس، ارتفعت الأسعار في ألمانيا بنسبة 2.7% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وهو أعلى معدل تضخم منذ يناير 2024. في فبراير، بلغ المعدل 1.9%، وفي يناير 2.1%. تُعد الطاقة المحرك الرئيسي لارتفاع الأسعار، حيث زادت أسعارها بنسبة 7.2% في مارس مقارنة بالعام السابق، وشهدت أسعار الوقود وزيت التدفئة ارتفاعًا حادًا بشكل خاص. يبلغ معدل التضخم الأساسي، الذي يستثني الطاقة والغذاء، 2.5%، مما يشير إلى استمرار ارتفاع المستوى العام للأسعار.
لا يعني التعرض لخطر الفقر بالضرورة البطالة؛ فالكثير من البالغين العاملين في قطاعات منخفضة الأجور يتأثرون به، ويضطرون إلى استكمال دخلهم بإعانات حكومية. وحتى العمل لسنوات طويلة قبل فقدان الوظيفة لا يوفر حماية كاملة، كما يظهر في حالة المتقاعدة أورسولا، وفقًا لتقرير صحيفة تاغس شاو. أنهت أورسولا تدريبًا مهنيًا في مجال البيع بالتجزئة، ثم عملت في قطاع المطاعم، وهو قطاع ظلّ فيه العديد من العاملين مسجلين بأجور الحد الأدنى لعقود. واليوم، لا يكفي معاشها التقاعدي لتغطية جميع نفقات معيشتها. ومثل العديد من كبار السن، تلجأ أورسولا إلى خدمات “بنك الطعام” للحصول على حاجياتها الغذائية. ويشير “بنك الطعام” في فرانكفورت إلى تزايد عدد المتقاعدين الذين يعتمدون على الدعم بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة. ويقول بيتر ميتز، رئيس “بنك الطعام” في فرانكفورت: “من الحقائق المؤكدة أن الفقر بين كبار السن يتزايد”.
يؤكد باحثو الفقر أن هذه الظاهرة نادرًا ما تكون نتيجة قرارات فردية خاطئة، بل هي في المقام الأول نتيجة تطورات هيكلية. تشمل هذه التطورات قطاعًا واسعًا من ذوي الأجور المنخفضة، وعدم استقرار تاريخ العمل، وارتفاع تكاليف السكن، وتشتت مسارات العمل. كما أن انخفاض أو ركود المزايا الاجتماعية، وإصلاحات نظام التقاعد التي تميل إلى خفض مستويات المزايا، تزيد من خطر الوقوع في براثن الفقر في سن الشيخوخة. في الوقت نفسه، تُظهر نظرة على اتجاهات التضخم مدى سرعة تأثير الصدمات الخارجية على الفئات الأكثر ضعفًا. فعندما ترتفع أسعار الطاقة فجأة، ويصبح الوقود أو زيت التدفئة أغلى بنسب مئوية مضاعفة خلال عام واحد، تصبح هذه التكاليف شبه حتمية.
وفقًا للخبراء، تعتمد إمكانية عكس اتجاه تزايد خطر الفقر إلى حد كبير على السياسات الاجتماعية وسياسات سوق العمل في السنوات القادمة. يدعو الباحث في شؤون الفقر، كريستوف باترويغ، إلى تعزيز دولة الرفاه، ورفع الأجور الثابتة بما يتجاوز مستوى أجور الطبقة الدنيا، وتوفير دخل أساسي يضمن الحماية من الفقر، إضافة إلى إصلاحات تحد من الفقر بين كبار السن بدلًا من أن تؤدي إلى تفاقمه. كما أن الاستثمار في السكن الميسور التكلفة وتقديم دعم موجه لتخفيف أعباء تكاليف الطاقة والغذاء من شأنه أن يحصّن المزيد من الفئات من الانزلاق إلى دائرة الفقر.
الأمر الواضح هو أن الفقر في ألمانيا ليس مجرد إحصائية مجردة، بل هو واقع يعيشه ملايين الأشخاص، على الرغم من دخل المواطن، وعلى الرغم من عقود من العمل، وعلى الرغم من كل الجهود المبذولة لتوفير المال. ولا يسهم الارتفاع الحالي في التضخم في تحسين أوضاعهم، بل يزيدها تعقيدًا. وفي النهاية، يبقى تراجع الفقر أو تفاقمه مرهونًا بمدى استعداد المجتمع لمواجهته بوصفه مسؤولية مشتركة تتطلب عملًا جماعيًا. (دويتشه فيله)
منوعات
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد