تحديات السيادة ومساعي التطبيع: هل تختلف حرية عمل إسرائيل في سوريا عن لبنان؟


هذا الخبر بعنوان "هل تُعتبَر حرية تصرّف إسرائيل في سوريا أقلّ من حريتها في لبنان؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت الأشهر الأخيرة تراجعاً في احتمالات إقامة علاقات أكثر طبيعية، إن لم تكن سلمية، بين سوريا وإسرائيل. ومع ذلك، شكل اجتماع مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس يومي 5 و6 كانون الثاني الماضي تطوراً إيجابياً لمناقشة الترتيبات الأمنية. لعب مسؤولون أميركيون دور الوسيط في هذه المحادثات، حيث أكد الرئيس دونالد ترامب رغبته في أن “تتوافق” سوريا مع إسرائيل. إلا أن التوفيق بين متطلبات إسرائيل الأمنية بعد 7 تشرين الأول الماضي ومسألة سيادة سوريا في مرحلة ما بعد نظام الأسد لا يزال تحدياً قائماً.
ورغم تفاخر ترامب بقربه من إسرائيل، فقد انتقد عملياتها العسكرية في جنوب سوريا أوائل كانون الأول الماضي، والتي أسفرت عن مقتل 13 سورياً. ووجه ترامب تحذيراً لها من على منصة “تروث سوشال” من القيام بـ”أنشطة تتعارض مع مسار سوريا إلى دولة مزدهرة”. وكان قد انتقد مع إدارته عمليات عسكرية سابقة في سوريا، واتهم مسؤولين في إدارة رئيس الوزراء نتنياهو “بالتسرّع في اتخاذ القرارات”. واشتكى مسؤول في البيت الأبيض قائلاً: “إن نتنياهو يقصف كل شيء باستمرار وقد يقوّض ذلك ما يحاول ترامب إنجازه”.
من جانبه، أبدى الرئيس السوري أحمد الشرع استياءه علناً في منتدى الدوحة أوائل كانون الأول الماضي، واتهم إسرائيل بالانخراط في “حرب ضد أشباح”، مدعياً أنه أرسل منذ توليه السلطة رسائل سلام واستقرار إلى إسرائيل. لكنه أشار إلى أنه بدلاً من احتضان سوريا الجديدة “قابلتنا إسرائيل بالعنف الشديد”، حيث شنت 1000 غارة جوية واحتلت أجزاء من الأرض السورية المحاذية لحدود الجولان. شكل هجوم الشرع هذا خروجاً واضحاً على موقفه التوفيقي العام تجاه إسرائيل منذ وصوله إلى السلطة. إلى ذلك، أدانت وزارة الخارجية السورية علناً زيارة بنيامين نتنياهو لقوات إسرائيل في المنطقة العازلة بينها وبين سوريا، والتي كانت تخضع سابقاً لرقابة وحدات سلام تابعة للأمم المتحدة، واعتبرت ذلك انتهاكاً خطيراً للسيادة السورية ومحاولة “فرض أمر واقع” على الحدود.
دعا الشرع إلى طمأنة إسرائيل لفظياً بالقول إن دمشق ليست مهتمة بالصراع وأنه لا ينوي مواجهة إسرائيل، وتعهد بعدم السماح باستخدام سوريا قاعدة انطلاق ضد الدول المجاورة، مؤكداً أن بلاده لا تريد التدخل في أي شيء قد يهدد أمن إسرائيل. وعن احتمالات التطبيع مع إسرائيل، قال متحفظاً وإن غير رافض: “نريد السلام مع جميع الأطراف”. لكنه شدد على الحساسية الشديدة تجاه القضية الإسرائيلية، لأن إسرائيل تحتل الجولان السوري، واعتبر أنه من السابق لأوانه مناقشة هذا الأمر. ورغم ذلك، أرسل وزير خارجيته الشيباني للقاء وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي فون بريمر في باريس، كما التقى أخيراً سفير إسرائيل في واشنطن إضافةً إلى المرشح لرئاسة “الموساد”.
من الصعب تحديد استراتيجية إسرائيل على المدى الطويل، في رأي ديفيد شينكر، الباحث الأميركي الدائم ومسؤول شؤون الشرق الأوسط في الإدارة الأولى لترامب. قد يكون التشكيك في الشرع مبرراً لعضويته السابقة في تنظيم “القاعدة”، لكن لا يزال غير واضح ما الذي تأمل إسرائيل تحقيقه من خلال نهجها التصعيدي. فقد وضعت خطاً أحمر يمنع وجود أنظمة تركية متطورة في سوريا، لكن جهود إقامة نظام جديد لأمن الحدود مع سوريا لا تزال غير ناضجة. فسوريا عنصر أساسي في التحالف الإقليمي لاحتواء النفوذ الإيراني، حيث يقوم نظام الشرع باعتراض روتيني لشحنات أسلحة ترسلها إيران والميليشيات العراقية المدعومة منها إلى “حزب الله” في لبنان. ومؤخراً في 17 كانون الأول الماضي، نصبت سوريا كميناً للمهربين الذين كانوا يحاولون إعادة تزويد “حزب الله” بعشرات القذائف الصاروخية.
قد تعتقد إسرائيل أن الوضع الراهن المتوتر مع سوريا قابل للاستمرار، إلا أن إدارة ترامب غير مقتنعة بذلك. ورغم أن آمال الولايات المتحدة في تطبيع علاقات إسرائيل وسوريا وانضمام الأخيرة إلى اتفاقات أبراهام سابقة لأوانها، فإن موقف إسرائيل الحالي يستبعد حتى إبرام اتفاق عدم اعتداء. لا يبدو أن نتنياهو يدرك أن ترامب وشركاءه العرب في الرياض وأبوظبي يبدون التزاماً واضحاً بنجاح سوريا. قد تتمتع إسرائيل بحرية أوسع للتصرف في لبنان، لكن ليس بالقدر نفسه في سوريا، إذ يؤثر نهجها في التطورات الإقليمية حيث ترى الدول العربية أن النشاط العسكري المكثف لإسرائيل في سوريا يزعزع الاستقرار ولا يخدم تعزيز اندماج إسرائيل في المنطقة.
تعتبر التوترات المتصاعدة بين إسرائيل وتركيا القضية الأكثر إلحاحاً لواشنطن. ستكون الوساطة الأميركية ضرورية للتفاوض على قواعد أساسية تحول دون تحول سوريا ساحة صراع تركي – إسرائيلي. ينبغي على الولايات المتحدة مواصلة تعزيز التواصل بين دمشق والقدس للتوصل إلى ترتيب مؤقت على طول حدود الجولان. أما الهدف قصير المدى فيتمثل بتحويل سوريا من دولة معادية لإسرائيل إلى جارة أكثر حياداً. وبالنسبة إلى القدس، وفي ظل عدم استجابة دمشق للمطالب الإسرائيلية بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، قد يكون التوصل إلى حل وسط أمراً لا غنى عنه لإبرام اتفاق مع سوريا الجديدة.
هذا التحليل المعلوماتي منطقي وموضوعي إلى حد بعيد. لكن المشكلة الفعلية اليوم، وبعد قيام نظام جديد في سوريا راغب في ترتيبات أمنية مع إسرائيل قد تؤدي لاحقاً إلى سلام دائم أو إلى تعايش مستقر، هي انطلاق نتنياهو، رئيس حكومة إسرائيل، في عمل متعدد الجبهات لإقامة إسرائيل كبرى أو أكبر. وهذا أمر لا يقبله العرب الذين صالحوها وأقاموا سلاماً رسمياً معها، ولا العرب الذين اعترفوا بها في اتفاقات أبراهام. ولا يمكن تحقيقه إلا إذا انخرطت أميركا ترامب في العمل الجاد لتحقيقه. فهل تفعل ذلك؟ وهل هذا المسعى الإسرائيلي – الأميركي الواسع قادر على النجاح في تحقيق أهدافه؟ الجواب الإيجابي ليس مضموناً.
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد