الموليا الرقاوية: فن شعبي متجذر يروي قصص الحب والحرب والوجود على ضفاف الفرات


هذا الخبر بعنوان "تراث رقّاوي يعود لمئات السنين “الموليا”.. غناء الحب والحرب والوجود" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعدّ "الموليا" من أبرز ألوان الغناء الشعبي في منطقة الفرات، وتحمل في طياتها تاريخًا طويلًا يمتد إلى عصور قديمة، لتشكل جزءًا أساسيًا من الذاكرة الثقافية لأهالي الرقة وما حولها حتى يومنا هذا. تُعرف "الموليا" الرقاوية بأنها لون من ألوان الشعر والغناء الشعبي الفراتي، وهي من أقدم الفنون التراثية في مدينة الرقة وريفها، وترتبط ارتباطًا عضويًا بنهر الفرات وبيئة البادية والريف. لا تُصنف "الموليا" كأغنية فحسب، بل كنمط تعبيري شفهي يحمل الذاكرة الجمعية لأهالي المنطقة. ويُعد هذا اللون من الغناء الشعبي أحد أبرز المعالم الثقافية في محافظة الرقة، إذ يؤدى تقليديًا على آلات الربابة والدف والمزمار.
في حديث إلى عنب بلدي، قدم الشاعر محمد الحسن، أحد أبناء محافظة الرقة، لمحة تاريخية وفنية عن هذا اللون الغنائي، موضحًا أن المؤرخين اختلفوا في تحديد أصل "الموليا" وزمان ظهورها. وأشار الحسن إلى أن بعض الروايات تنسب "الموليا" إلى عهد البرامكة، حيث يُحكى أن إحدى الجواري غنت بها بعد نكبتهم في زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد. بينما يرجح مؤرخون آخرون أن أصلها يعود إلى بلدة واسط في العصر الأموي. إلا أن الرواية الأرجح، بحسب الحسن، تشير إلى أنها انتشرت خلال العصر العباسي، وتحديدًا في أيام الخليفة هارون الرشيد، ومنها انتقلت إلى العراق وسوريا.
أكد الشاعر محمد الحسن أن "الموليا" لا تقتصر على سوريا والعراق فقط، بل تُغنّى أيضًا في فلسطين والأردن ولبنان، مع اختلاف الألحان من منطقة إلى أخرى، بينما يبقى البناء الشعري واحدًا. تُكتب "الموليا" على بحر البسيط، وتتألف من أربعة أشطر، ثلاثة منها تتفق في القافية، بينما ينتهي السطر الرابع بياء وهاء متروكة، وهو ما يمنحها خصوصيتها الإيقاعية. ومن أبرز بيوت الموليا التي كُتبت في الرقة:
حول وصول "الموليا" إلى منطقة الفرات، أوضح الشاعر محمد الحسن أن هناك روايات تشير إلى مجيئها من العراق على يد شاعر يُدعى ابن عوين الجبوري، الذي وصل إلى الرقة حاملًا معه أبياتًا شهيرة تغنّى بها في محبوبته، ما فتح الباب أمام مساجلات شعرية بينه وبين شعراء المنطقة. ومن بين هؤلاء الشعراء، يذكر محمد الذخيرة، الذي كان في سن صغيرة آنذاك، وأسهم لاحقًا في ترسيخ هذا اللون الغنائي محليًا. ويؤكد شعراء وباحثون في الثقافة تواصلت معهم عنب بلدي أن "الموليا" تحولت من الفصيح إلى الشعبي، وأن منشأها هو الرقة حصرًا، في أثناء مذبحة البرامكة (عام 83 هجري)، حيث رثى موالي البرامكة موتاهم بثلاثة أشطر من بحر البسيط على نفس الجناس اللفظي، والبيت الرابع كان ينتهي بكلمة "ومواليه".
محليًا، ترتبط "الموليا" بأهالي الفرات ارتباطًا وثيقًا، وتُغنّى غالبًا في الأفراح والمناسبات الاجتماعية، ولا تُؤدّى في المآتم. ويقتصر أداؤها على الرجال، وإن كانت تُغنّى أمام الرجال والنساء على حد سواء. وتُؤدّى "الموليا" تقليديًا على آلات شعبية مثل الربابة والمزمار والدف، فيما شهدت مدينة دير الزور تطورًا لافتًا بإدخال الآلات الموسيقية الحديثة على هذا اللون التراثي.
أشار الشاعر محمد الحسن إلى أن قبائل معروفة في الرقة، مثل "العفادلة" و"الولدة"، تفخر بمغنّي "الموليا"، كما برزت أسماء معروفة في دير الزور، من بينهم ذياب مشهور وغيره. ومن أبرز أسماء شعراء الرقة الذين اشتهروا بكتابة "الموليا" خلف الفرج الحسني، ومحمود الشغيبي، وحسين العلي العصمان، وعبد العزيز العابد، إضافة إلى محمد الذخيرة، ومحمود الذخيرة، وعلي الكلاح، و"أبو فلوط"، وأسماء أخرى. أما أشهر مغنّي "الموليا" في محافظة الرقة فهم: محمد الحسن، وحسين الحسن، وإبراهيم الأخرس، إلى جانب عشرات الشخصيات والأصوات الشابة. ورغم دخول بعض التحديثات على الكلمات لتواكب العصر، أكد الحسن أن "الموليا" حافظت على قالبها الأساسي من حيث الوزن والقافية واللحن، مع تغيير محدود في الألفاظ بما يتناسب مع الزمن الحالي. وختم الحسن حديثه بالقول، إن "الموليا" ما زالت واحدة من أهم ألوان الغناء الشعبي في الفرات، وتحمل في طياتها تاريخًا وحكايات لا تزال حيّة في وجدان أهالي المنطقة.
يتفق مغني "الموليا" مصطفى الجاسم، من محافظة الرقة، مع الشاعر محمد الحسن، ويرى أنها نشيد الفرات وذاكرة المدينة، وأن هذا اللون الغنائي يعكس وجدان الإنسان الفراتي، ويعبّر بالكلمة عن ثقافة الحب والحرب والوجود، وهي فن متجذر في الذاكرة الشعبية، ويمثل أحد أعمدة الهوية الثقافية للمنطقة. وقال الجاسم لعنب بلدي، إن "الموليا" جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية الفراتية، التي لا تقتصر على الرقة فحسب، بل تمتد إلى مناطق واسعة من العراق وبلاد الشام. وتعتبر من أبرز أشكال الغناء الاجتماعي الوجداني، إذ تُؤدّى في الأعراس والمناسبات الاجتماعية للتعبير عن الفرح، والشوق، والحنين، كما تُستخدم لتوثيق تفاصيل الحياة اليومية، وقصص الحب، والصراعات التي عاشها أبناء المنطقة.
وعن ارتباط هذا الفن بنهر الفرات تحديدًا، قال الجاسم، إن "الموليا" تُؤدّى تاريخيًا على ضفاف نهر الفرات، وهي انعكاس مباشر لعلاقة الإنسان بالمكان، حتى تسمياتها ومفرداتها مستمدة من البيئة الفراتية، وعُرفت أيضًا بالأغنية الفراتية، في إشارة واضحة لهذا الارتباط العميق بالنهر والحياة المحيطة به. وأشار الجاسم إلى أن "الموليا" تقع في منطقة وسطى، أو ما يمكن تسميته بـ"برزخ" بين الشعر الشعبي والشعر الفصيح، فهي تحمل جزالة المعنى وقوة التعبير، وفي الوقت نفسه بساطة اللغة وقربها من الناس، ما جعلها ركيزة أساسية في التراث غير المادي للمنطقة، وتحظى بإقبال كبير حتى يومنا هذا. وتركز "الموليا" الرقاوية على وصف طبيعة الفرات، وحياة البادية، والمواشي والفروسية، إضافة إلى قصص العشق العفيف، بينما قد تتناول في مناطق أخرى موضوعات اجتماعية مختلفة تتناسب مع بيئتها، وفق ما قاله الجاسم. وأكد أن هناك عدة عوامل أسهمت في بقاء هذا النوع من الغناء قويًا ومؤثرًا، أهمها ارتباطها الوثيق بالمناسبات الاجتماعية، فهي جزء أساسي في جميع الأفراح والأعراس والمناسبات السعيدة في وادي الفرات، وهذا ما يضمن انتقالها من جيل إلى جيل. إضافة إلى ذلك، هناك وعي ثقافي مجتمعي بأهمية هذا التراث، وإصرار على الحفاظ عليه كجزء من الهوية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة