مثقفو أمريكا: حضور تاريخي وصوت خافت في مواجهة سياسات الهيمنة


هذا الخبر بعنوان "أين مثقفو أمريكا ؟!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يطرح مالك صقور تساؤلاً جوهرياً: أين مثقفو الولايات المتحدة الأمريكية؟ وما هو دورهم، سابقاً ولاحقاً، تجاه سياسة بلادهم العدوانية منذ القرن الثامن عشر وحتى اللحظة الراهنة؟ للإجابة، يجب استعراض تاريخ تأسيس أمريكا، وعدم نسيان أنها الوريث الشرعي أو غير الشرعي للإمبراطوريات والاستعمارية مثل بريطانيا العظمى وفرنسا وأسبانيا والبرتغال وهولندا وإيطاليا.
بعد أن تمزقت الدول الأوروبية وأُنهكت في حربين عالميتين، فرضت أمريكا سيطرتها العسكرية والسياسية والاقتصادية على أوروبا مستغلة ولاء الحكومات المنهكة والمهزومة. ويُشار إلى دهاء الأمريكان في الحربين العالميتين، حيث لم يشاركوا بشكل مباشر إلا بعد أن استنزف المتحاربون قواهم، ليأتوا في النهاية لجمع الغنائم. لقد استوعبت أمريكا دروس الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة التي رفعت شعار "فرّق تسُد"، وأضافت إلى فنون السيطرة فناً آخر براقاً وجذاباً هو "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" و"الحرية"، وأخيراً "العولمة".
أدركت الإدارات المتعاقبة على إدارة البيت الأبيض أن التحكم بالعالم لا يقتصر على امتلاك القوة العسكرية الضاربة والهيمنة الاقتصادية والسياسية على الحكام، بل يتطلب وسائل أخرى لإخضاع الجميع بشكل كامل، أي إخضاع النفوس قبل الرؤوس، وذلك عبر محو ذاكرة الشعوب وإبادتها. لتحقيق ذلك، امتلكت أمريكا "الهيمنة العنكبوتية"، حيث شكلت، بموافقة أوروبا، شبكة نسيج عنكبوتي مهيمنة أحكمت قبضتها على خيوطها، متمثلة في:
كل هذه الكيانات تخضع لسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية، مما مكنها من الهيمنة على مقدرات العالم. وقد زاد من غرورها وتبجحها وغطرستها انتصارها في الحرب الباردة وتفكيك الاتحاد السوفييتي، وإعلانها النظام العالمي الجديد.
يخطئ من يظن أن قرارات رؤساء الولايات المتحدة تنبع من رؤوسهم فقط، أو أن الرئيس يقرر بمفرده. فهناك مؤسسات رئاسية تشمل الكونغرس ومجلس الشيوخ، بالإضافة إلى ما يُسمى حكومة الظل أو الدولة العميقة. هؤلاء ورثوا عقيدة راسخة هي عقيدة التفوق والفوقية، المستمدة منذ تأسيس أمريكا. فثمة من يعتبر أن وجود أمريكا هو وجود بناءً على خطة إلهية، ولذلك اعتبرت نفسها مكان "الفردوس المفقود" الذي طالما تحدث عنه الأدب الأوروبي. أمريكا هي المكان الذي يمارس الناس فيه نقاوتهم ويعيدون أمجاد العصر الذهبي. إنها القدس الجديدة، الكون الموجود خارج التاريخ نتيجة تضافر إرادتين: الإرادة السماوية وإرادة الشعب الذي اختارته السماء لتنفيذ هذه الإرادة.
وقد أوضح جورج واشنطن هذه الفكرة بقوله: "لا يوجد شعب في العالم أكثر من شعب الولايات المتحدة مطالب أن يشكر الله ويعبد اليد الخفية التي سيرت قضايا الناس. فكل خطوة سمحت له بالسير على طريق الاستقلال كانت تحمل علامة التدخل السماوي". ويقول المؤرخ الأمريكي دانيال بورستين: "لم يكن هناك شعب في التاريخ واثق من أنه على الصراط المستقيم مثل الشعب الأمريكي". لقد كان حكام الولايات المتحدة على يقين تام بالمبدأ الكلفاني الذي يقول: "إن سمح الله أن يجتمع في الأرض الأمريكية شعب من رجال ونساء اختيروا من قبل الله، ذلك لأنه مناط بهذا الشعب مهمة حكم العالم ذات يوم. لأن أمريكا هي النموذج الديمقراطي المختار من العناية السماوية".
بعد هذا الاستعراض المطول لوجوه أمريكا، نعود إلى السؤال: أين مثقفو أمريكا؟! هذا السؤال يطرح نفسه بقوة، ويطرحه كثيرون، نتيجة لسياسة الولايات المتحدة العدوانية، وسياسة الاستكبار والعنجهية والغطرسة، وصولاً إلى البلطجة، بالإضافة إلى دعمها اللامحدود للكيان الصيهوني. وإذا كانت الحكومات المتعاقبة على حكم البيت الأبيض كلها عدوانية، فهل يمكن أن يكون الشعب الأمريكي كله مخدراً وموافقاً لحكومته، ولا سيما النخب منه والمثقفين والكتاب؟ الحقيقة هي: لا، وكلا.
المثقفون الأمريكان من كتاب وشعراء وصحافيين وفنانين موجودون ومتواجدون بقوة على الساحة، وهم أدرى الناس بالمجتمع الأمريكي، والأكثر تفهماً لسياسة البيت الأبيض، والأكثر إدراكاً لوجوه أمريكا. لقد كان المثقف الأمريكي حاضراً، يناهض ويرفض السياسة الأمريكية داخل المجتمع الأمريكي وخارجه. داخل المجتمع الأمريكي، تجلى نضالهم ضد التمييز العنصري وضد العبودية، ولنتذكر رواية "كوخ العم توم" للكاتبة هارييت ستاو عام 1852، التي كانت نقطة تحول أدبية وسياسية في أمريكا، وأثمرت جهود الكتاب الذين اقتدوا بها في إنهاء عهد الرق والعبودية. كما جاءت رواية "عناقيد الغضب" لـ جون شتاينبك لتسلط الضوء على الواقع القاسي من الاستغلال والفقر في المجتمع الأمريكي خلال الكساد الكبير.
برز المثقفون الأمريكان أيضاً بعد إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي، ووصفوها بـ"الصدمة الأخلاقية"، محذرين من السلاح الجديد، وما زالت تلك الحادثة وصمة عار في تاريخ أمريكا. وفي حرب أمريكا على فيتنام، شهدت تلك المرحلة أقوى حركات الاحتجاج من نخبة من الكتاب والشعراء والفلاسفة والصحفيين والطلاب، الذين وصفوا الحرب بجرائم حرب وجرائم أخلاقية وإمبريالية.
باختصار، تغيرت صورة المثقف اليوم عن القرن العشرين. ففي الماضي، كان هناك "مثقف مركزي" تصغي إليه الصحف والجامعات والجماهير. أما اليوم، فقد تفتت المنابر، وغلب الإعلام السريع والدعاية الرقمية، فتحول الكثير من المثقفين إلى أصوات متفرقة وسط ضجيج هائل. كما أن الحروب المعاصرة لا تدار بالسلاح فقط، بل بشاشات الفضائيات والتضليل الإعلامي، وهناك تراجع ملحوظ لتأثير المقالة الصحفية أو الكتاب أمام الصورة العاجلة والأخبار المتدفقة.
مع كل ذلك، لا يصح القول إن المثقفين غائبون تماماً، أو التساؤل "أين المثقفون عموماً، ولا سيما في أمريكا؟" لأن دورهم أصبح أبطأ خلال الضجيج السياسي اليومي. المثقف الحقيقي موجود لكنه لا يظهر بسبب دخان المعارك. نعم، المثقف الأمريكي موجود ولم يكن غائباً، لكنه لا يستطيع إيقاف الآلة السياسية والعسكرية. ومع ذلك، فقد لعب دوراً مهماً في كشف الحقائق وتحريك الرأي العام، وخلق معارضة أخلاقية وفكرية لحروب حكومته. إن المثقف موجود، ولكن عندما تنفصل القوة عن الضمير يصبح صوت الثقافة خافتاً أمام ضجيج الحرب وقرقعة السلاح. المثقف موجود ولم يكن غائباً، لكن صوته لم يعد مسموعاً.
في هذا السياق، قال توفيق الحكيم: "إن منظر الإنسان في هذا القرن ليدعو إلى العجب! فالصورة الحقيقية له هي صورة مخلوق: له ذكاء العالِم وضمير القرصان وغريزة الحيوان".
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة