البكالوريا السورية: رحلة مصيرية بين ضغوط المجتمع وتحديات الجيل الحديث


هذا الخبر بعنوان "بكالوريا سوريا.. عقدة تقرير المصير" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يمر جميع البشر بمرحلة المراهقة، إلا أن السوريين والسوريات يمرون بما يُعرف بـ"عقدة تقرير المصير"، وهي مرحلة أطلق عليها الكاتب وصف "بكالوريا برو ماكس"، نسخة مطورة من المراهقة، تتسم بالضغط والدراما والمشاكل اليومية مع الأهل. هذا ما كتبته رنيم لبش في سناك سوري.
يعاني السوريون عموماً من قلق تجاه الصف الثالث الثانوي، حيث يصفه الأهل بأنه "سنة تقرير المصير وتحديد المستقبل"، فإما أن يرتقي الطالب أو يهبط إلى أدنى المستويات. يتلقى الطلاب محاضرات مكثفة من الأهل والأساتذة، وكأنهم في اجتماع لمجلس الأمن، حيث يُصوَّر النجاح في البكالوريا كفتح لمضيق هرمز. من وجهة نظر الأهل، يجب على الطالب أن يدرس عشر ساعات يومياً، ويتخلى عن كل شيء في حياته، ويتفرغ كلياً للدراسة بجد ونشاط، والأهم من ذلك أن يتفوق على ابن الخالة أو ابن العمة الذي يخوض نفس التحدي. وفي حال النجاح، يكون الشرف والعز لصاحب العلامة الأعلى، وكأنه حصل على الإقامة الذهبية في العائلة. وعند مرحلة المفاضلة، يفتخر الأهل بأن ابنهم أصبح طبيباً أو مهندساً، وكأن باقي العلوم لا قيمة لها.
تتضمن رحلة الطالب السورية الأسطورية عدة مراحل، تبدأ بمرحلة الصف العاشر، التي تتميز بدراسة خفيفة وتهيئة نفسية للصدمة القادمة. ثم يأتي الصف الحادي عشر، الذي يشهد بداية التهديدات الرسمية وبدء الجد. أما مرحلة البكالوريا، فتبدأ من نهاية الصف الحادي عشر، وتتحول إلى معركة حقيقية تتضمن دورات صيفية وبرامج مكثفة، وحرماناً من الهاتف المحمول، وعزلة اجتماعية، وكأن الطالب يخضع لبرنامج إعادة تأهيل وليس لسنة دراسية عادية.
عند سؤال الطلاب عن رأيهم، وهو ما نادراً ما يؤخذ به، تجد قلة قليلة منهم تقول إنها ستلتزم بالدراسة، وهؤلاء هم من يصفهم الأهل بـ"الله هاديه". أما الغالبية، التي يصفها الأهل بأنها "ذكية ولكن لا تدرس"، فتتحدث عن صعوبات الحياة، والظروف القاسية، والتزامات العمل، وضيق الوقت، وتتساءل عن جدوى الشهادة، مشيرة إلى أن حاملي الشهادات يعلقونها على الجدران دون فائدة، وكأن لديهم عشرة أولاد ولا يعرفون كيف يطعمونهم. هذه الحجج، بطبيعة الحال، تأتي من باب التهرب من الدراسة وليس من باب تحمل المسؤولية.
وللغوص في أعماق أفكار هذا الجيل، وبحكم أن زماننا لا يبتعد كثيراً عن زمانهم، ولم يكن متوفراً لنا ما هو متوفر لهم، لا بد من دراسة معمقة لأفكار ومفاهيم هذا الجيل. العقبة الأولى هي الهاتف المحمول وما يحتويه من تطبيقات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب، التي تضيع الوقت الثمين، ناهيك عن ألعاب مثل بابجي والأشانسي وغيرها. كما أشار حسن حميدوش في "مذكرات طالب بكالوريا".
بالإضافة إلى ذلك، هناك تدني الوضع التعليمي في المدارس، ونقص الكوادر، والفاقد التعليمي الذي يعاني منه الجميع، وليس الطلاب فقط. يضاف إلى ذلك الوضع الاقتصادي الذي لا يساعد الأهل والطالب على تعويض النقص الدراسي، وهو ما مر به الكثيرون. كل هذه الأسباب يعتبرها الأهل بسيطة جداً مقارنة بظروف الدراسة في جيلهم، ويستذكرون قصصاً عن مشيهم للمدرسة ثلاث ساعات يومياً، ودراستهم على ضوء فتيلة الكاز والشمعة، وكيف تطورت طريقة الدراسة في جيلهم من ضوء شمعة البيت إلى الوقوف تحت أعمدة الإنارة في الشارع، والقصص التراجيدية التي مروا بها، متناسين أن الجيل الحالي عاش حرباً لمدة 14 عاماً تعادل كل ما عاشوه في حياتهم.
بالتأكيد، كل يوم يحمل مشكلة في البيت الذي يضم طالباً في البكالوريا، وكل يوم هناك محاضرات واختبارات تسميع للكتاب "من الجلدة للجلدة"، وهو مصطلح يستخدم فقط في سورية ويعني دراسة الكتاب من أول صفحة إلى آخر صفحة. تمر الأيام بحلوها ومرها، وأخيراً يصل الطلاب إلى "شهر الحرق"، وهو أيضاً مصطلح سوري بامتياز، ويعني الشهر الذي يسبق الامتحان، حيث يجب على الطالب أن يدرس الكتب بشدة، ولا ينام، ولا يأكل، ولا يشرب، فقط يدرس، مع دوريات منتظمة من الأهل كل نصف ساعة للتأكد من أنه يدرس ولا يشاهد مسلسلاً تركياً أو يلعب بابجي أو نائم.
ثم يأتي "شهر الفيصل"، وهو شهر الامتحانات. في اليوم الأول، يرافق الطالب الأم والأب والأخ الكبير، وكأنهم ذاهبون إلى السفربرلك أو الخدمة الإلزامية في زمن النظام البائد. الأب متجهم وعابس الوجه، أما الأم فتمسك الألفية تسبح وتدعو وتقرأ المعوذات، والأخ يحمل الكتب والدفاتر مفتوحة أمام الطالب، عسى أن يلتقط معلومة بمعيته. بعدها، تصل فقرة التوصيات والنصائح: لا تخرج قبل انتهاء الوقت، اقرأ السؤال جيداً، لا تدع أحداً يشوشك أو يؤثر على أفكارك، انتبه من التشابه، والقائمة تطول حتى نهاية الامتحان.
في قاعة الامتحان، يقابل الطالب أنواعاً متعددة من الطلاب: الطالب النيرد الذي يحل كل شيء بسرعة ومستعد للتضحية بكليته قبل أن يعطيك إجابة لسؤال. والطالب الذي لا يلحق حل جميع الأسئلة لطولها وحاجتها لوقت إضافي. والطالب المتذمر الذي يقول "ضربونا وجابولنا أسئلة مريخية"، وقد يصل به الأمر إلى الادعاء بأنهم أحضروا آية قرآنية من خارج المصحف. وهناك الطالب الذي يقول "كل شيء تمام" وهو لا يعرف إذا كان قد قدم امتحان تاريخ أم جغرافيا.
ينتهي الامتحان، ويتنفس الطالب الصعداء، ولكن لفترة محدودة، حتى تظهر أول إشاعة بأن النتائج ستصدر غداً، ويبدأ الأب بمراقبة ابنه في كل حركة، وكأنه ارتكب جرماً، إلى أن تفرج الأمور وتعلن وزارة التربية عن النتائج. هنا تكون أول كلمة يقولها الأب: "اليوم ببين القيري من الماو قيري" أو "اليوم بيدوب الثلج وبيبان المرج"، مع اختلاف اللهجات، ويتخيل لذهنك مشهد أبو بشير في باب الحارة عندما يقول لأبو شهاب: "البلد أغلى من عصام" مع بعض الصدى. تظهر النتائج، وفي هذا اليوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فمنهم من يتجه إلى الجامعة ومنهم من يكرر نفس السيناريو للسنة الثانية.
الخلاصة (وبدون مزح): المشكلة حرفياً في البكالوريا ليست في وجودها، بل في المنهاج وطريقة التدريس، فهي أشبه بالسجن والعقاب. الطالب السوري غالباً ما يتوجه حسب توقعات المجتمع، لا حسب قدراته واهتماماته وطموحاته. وحتى يصبح لديك منهاج منطقي ومستقبلك ملكك، شد حيلك جيداً لأنك مقبل على "بكالوريا برو ماكس — إصدار بدون رحمة".
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي