الجامع العمري في بصرى الشام: أقدم مئذنة قائمة وشاهد على فجر العمارة الإسلامية


هذا الخبر بعنوان "الجامع العمري في بصرى الشام.. ذاكرةُ العمارة الإسلامية الأولى في حوران" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد مدينة بصرى الشام، بتاريخها العريق وحجارتها السوداء، مستودعاً لحضارات متعاقبة، يبرز من بينها الجامع العمري كواحد من أقدم الجوامع الإسلامية في بلاد الشام. يحتفظ هذا الصرح التاريخي بملامحه المعمارية الأصلية، ليقف شاهداً حياً على مرحلة محورية في انتشار الإسلام بالمنطقة. يمثل الجامع العمري أحد أبرز المعالم الأثرية الإسلامية في جنوب سوريا، حيث يعود تأسيسه إلى السنوات الأولى التي تلت الفتح الإسلامي لمدينة بصرى في عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب. ويُعتقد أن المسجد اكتسب اسمه تيمناً بمرور الخليفة عمر بمدينة بصرى أثناء توجهه إلى مؤتمر الجابية في حوران.
يكتسب الجامع العمري أهمية استثنائية بفضل مئذنته الحجرية المربعة، التي يبلغ ارتفاعها حوالي خمسة عشر متراً. يرى العديد من الباحثين والمؤرخين، بمن فيهم المستشرق وعالم الآثار البريطاني كريزويل، أن هذه المئذنة هي الأقدم في العالم الإسلامي التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، مما يمنح المسجد مكانة فريدة في تاريخ العمارة الإسلامية المبكرة.
في مؤلفه "الحضارة الإسلامية في مدينة بصرى الشام"، يقدم الباحث رديف المقداد تحليلاً مفصلاً لتاريخ الجامع العمري وتطوره المعماري عبر العصور الإسلامية المتنوعة. يعتمد المقداد في دراسته على النقوش الحجرية والكتابات الأثرية التي تم اكتشافها خلال عمليات الترميم والدراسات الميدانية.
يوضح المقداد أن المسجد شُيّد فوق أنقاض معبد وثني، متبعاً الطراز المعماري للمساجد الأولى في عصر الخلفاء الراشدين، ومتأثراً بـالمسجد النبوي ومسجد عمرو بن العاص. لاحقاً، ظهرت فيه ملامح التأثر بـالجامع الأموي، الذي غدا نموذجاً معمارياً للمساجد الإسلامية في المنطقة.
يفصّل الكتاب أيضاً مراحل الترميم والتوسعة التي مر بها الجامع، خاصة خلال العصر الأموي والعصور الوسطى. يكشف المؤلف عن نقوش تؤرخ لإصلاحات تمت في زمن الخليفة يزيد الثاني عام 102 للهجرة، بالإضافة إلى كتابات أخرى تعود إلى عهد مروان بن محمد، آخر الخلفاء الأمويين.
كما يتطرق المقداد إلى التعديلات المعمارية التي طرأت على الجامع خلال العهد الأتابكي، ومنها إنشاء الرواق الشمالي، وإضافة الميضأة الشرقية وربطها بمنظومة المياه التاريخية للمدينة. يقدم المقداد كذلك شرحاً مفصلاً للعناصر المعمارية والزخرفية التي تجسد تفاعلاً فنياً بين العمارة المحلية في حوران والفنون السلجوقية القادمة من شرق إيران وأفغانستان.
يشير المقداد إلى أن مبنى الجامع اتخذ شكلاً شبه منحرف، بأبعاد تقريبية تبلغ 34×36 متراً. يضم حرم صلاة مستطيلاً يستند سقفه إلى أعمدة رخامية وأقواس متتابعة، وتتنوع تيجان هذه الأعمدة بين الطراز الكورنثي والدوري والأيوبي. يتوسط الصحن الداخلي ميضأة كانت تعلوها قبة صغيرة، وتحيط بها الأروقة من جميع الجهات. اللافت أن بناء الجامع استعان بأعمدة رخامية بيضاء نُقلت من المسرح الروماني المجاور، مما يعكس التداخل الحضاري بين الإرث الروماني والعمارة الإسلامية في مدينة بصرى.
يتميز الجامع بزخارفه الجصية ونقوشه العربية، التي لا تزال بقاياها تزين جدار القبلة وحنية المحراب. تحمل هذه الزخارف آيات قرآنية وكتابات عربية منفذة بأساليب فنية دقيقة. وتوضح الدراسات الأثرية وجود تأثيرات فنية مستوحاة من الفن السلجوقي، مما يبرز حجم التبادل الحضاري والثقافي الذي شهدته المنطقة خلال القرون الإسلامية الوسطى.
وفقاً لـالمقداد، يضم الجامع ثمانية أبواب تتصل بالأحياء والأسواق القديمة، وهو ما يعكس المكانة التجارية والحضارية التي حظيت بها مدينة بصرى عبر التاريخ. وعلى الرغم من مرور القرون والتحولات التاريخية التي شهدتها المنطقة، لا يزال الجامع العمري يؤدي دوره الديني حتى يومنا هذا، حيث تُقام فيه صلاة الجمعة وسائر الشعائر. يبقى هذا الصرح معلماً حياً يجسد أصالة العمارة الإسلامية، ويُعد من أبرز الشواهد على البدايات الأولى للحضارة الإسلامية في بلاد الشام.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة