قرار تسعيرة القمح في سوريا يثير غضب الفلاحين ويهدد الأمن الغذائي


هذا الخبر بعنوان "تسعيرة محصول القمح تشعل غضب فلاحي سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار قرار وزارة الاقتصاد والصناعة في سوريا بتحديد سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى لموسم 2026 عند 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن الواحد، موجة استياء واسعة بين الفلاحين. اعتبر المزارعون أن السعر المعلن لا يغطي تكاليف الإنتاج المرتفعة، ويهدد استمرار زراعة القمح في واحدة من أهم السلال الغذائية في سوريا. تزامن هذا القرار مع إعلان المؤسسة السورية للحبوب عن إطلاق منصة رقمية جديدة تهدف إلى تنظيم عمليات حجز وتوريد الأقماح، وذلك لتخفيف الازدحام في مراكز الاستلام وتسريع الإجراءات وتحسين إدارة ملف القمح، الذي يُعد من أبرز ملفات الأمن الغذائي في البلاد.
وفقًا للسعر الرسمي الجديد، تُعادل قيمة الطن الواحد نحو 333 دولارًا أمريكيًا، بناءً على سعر صرف يقارب 13,800 ليرة سورية للدولار الواحد. في المقابل، يرى مزارعون أن تكاليف الإنتاج الأساسية، من البذار وحتى الحصاد والنقل، تُحتسب عمليًا بالدولار، مما يجعل التسعيرة الحالية “غير واقعية” مقارنة بحجم النفقات التي يتحملها الفلاح.
رصد مراسل عنب بلدي في الرقة احتجاجات واسعة من قبل الفلاحين في دوار النعيم وسط المدينة، رفضًا لتسعيرة شراء القمح التي أعلنتها وزارة الاقتصاد السورية. أقدم المحتجون على قطع الطريق في الدوار، مطالبين برفع سعر شراء القمح، ومعتبرين أن التسعيرة الحالية “ظالمة ومجحفة” ولا تغطي تكاليف الإنتاج التي ارتفعت بشكل كبير خلال الموسم الزراعي.
وفي أرياف دير الزور، رصدت وسائل التواصل الاجتماعي توجه عدد من الفلاحين في مواكب سيارة نحو المدينة للاحتجاج أمام مبنى المحافظة. أكد مشاركون أن ارتفاع أسعار المازوت والأسمدة والبذار وأجور النقل أثقل كاهل المزارعين، مشددين على أن السعر المعلن لا يعكس حجم الخسائر والجهد الذي تكبده الفلاحون طوال الموسم.
كما رصد مراسلو عنب بلدي في كل من درعا وحماة آراء العديد من الفلاحين، حيث أجمعت آراؤهم على ضرورة إعادة النظر بالتسعيرة بما يتناسب مع الواقع الزراعي والمعيشي. وفي السياق ذاته، رُصدت دعوات لتنظيم وقفة احتجاجية يوم غد في “مدينة السقيلبية” بسهل الغاب رفضًا للتسعيرة.
في ريف الحسكة الشمالي، وصف الفلاح محمود الخلف التسعيرة الحالية بأنها “كارثية” بالنسبة للمزارعين، مضيفًا لعنب بلدي أن “الفلاح سيخرج من الموسم بخسارة مؤكدة حتى لو كان الإنتاج جيدًا”. وأوضح الخلف أن تكلفة “الشوال” وحدها تُشكل عبئًا إضافيًا، إذ يخسر الفلاح قرابة 20 دولارًا عن كل طن من القمح المشول نتيجة تكاليف التعبئة، مشيرًا إلى أن “كل شوال يصل سعره إلى دولارين تقريبًا، وهذا قبل احتساب النقل والعتالة وأجور الحصاد”. وأضاف أن تصنيف القمح وفق درجات “أولى وثانية وثالثة ورابعة” يؤدي أيضًا إلى خفض السعر النهائي الذي يحصل عليه المزارع، معتبرًا أن “التجريم” يقلص هامش الربح أكثر، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل غير مسبوق. وتابع الخلف أن أجور الحصاد وحدها تصل إلى نحو سبعة دولارات للدونم الواحد “في الحد الأدنى”، فضلًا عن تكاليف النقل والتحميل، إلى جانب “الحاصل” أو إيجار الأرض بالنسبة للفلاحين المستأجرين، والذي قد يصل إلى 25% من قيمة الإنتاج النهائي.
من جهته، قال المزارع عبد الكريم العلي، من ريف الحسكة الشمالي الشرقي، إن الخسائر تتضاعف بالنسبة للأراضي المروية مقارنة بالزراعة البعلية، بسبب ارتفاع أسعار الوقود اللازم لتشغيل محركات الري. وأضاف لعنب بلدي أن “الزراعة المسقية أصبحت مغامرة مكلفة جدًا، خصوصًا مع ارتفاع أسعار المازوت والأسمدة وغياب أي دعم حقيقي خلال الموسم الحالي”، معتبرًا أن السعر المحدد من قبل الحكومة لا يعكس الواقع الزراعي الذي يعيشه الفلاحون. وأشار العلي إلى أن غالبية مستلزمات الإنتاج الزراعي تُشترى بالدولار أو تُسعّر وفق سعر الصرف، بينما يتم شراء المحصول من الفلاح بالليرة السورية، ما يجعل المزارع الحلقة الأضعف في العملية الاقتصادية. وأضاف، “لا يوجد أي تناسب بين سعر القمح المعلن وارتفاع الدولار أو أسعار البذار والأسمدة، وحتى المواسم السابقة التي كانت صعبة لم تصل فيها التكاليف إلى هذا المستوى”. ورأى أن استمرار هذه السياسة سيدفع كثيرًا من الفلاحين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن زراعة القمح نهائيًا، قائلًا، “إذا كانت الحكومة تريد من الناس ألّا تزرع القمح، فهذا موضوع آخر”.
أما الفلاح سالم المطر، من ريف الشدادي الجنوبي، فاعتبر أن المفارقة الأبرز تكمن في أن وزارة الاقتصاد نفسها حدّدت سعر بيع بذار القمح للمزارعين للموسم الزراعي 2025-2026 عند 500 دولار للطن الواحد، بينما حددت سعر شراء محصول القمح بأقل من ذلك بكثير. وقال لعنب بلدي، “ثمن البذار وحده أعلى من سعر شراء المحصول، وقبل أن نتحدث عن السماد والري والحصاد والنقل واليد العاملة”. وأضاف، “أي منطق اقتصادي يجعل الدولة تبيع البذار للفلاح بسعر 500 دولار، ثم تشتري منه الإنتاج النهائي بسعر يقارب 333 دولارًا فقط؟”. ويرى المطر أن هذه المعادلة “غير عادلة إطلاقًا”، خاصة أن الفلاح يتحمل كامل المخاطر المرتبطة بالموسم الزراعي، من تقلبات الطقس إلى ارتفاع أسعار الوقود والأعطال الفنية ونقص الدعم. وأشار إلى أن كثيرًا من المزارعين اضطروا هذا العام إلى الاستدانة لتأمين مستلزمات الزراعة، مضيفًا أن التسعيرة الحالية ستجعلهم عاجزين عن تسديد الديون أو التحضير للموسم المقبل.
يرى مزارعون أن استمرار انخفاض أسعار الشراء مقارنة بتكاليف الإنتاج سيؤدي إلى تراجع المساحات المزروعة خلال المواسم المقبلة، ما قد ينعكس على حجم الإنتاج المحلي ويزيد من الاعتماد على الاستيراد. ويؤكد الفلاحون أن أزمة القمح الحالية لا تتعلق فقط بخسائر فردية للمزارعين، بل ترتبط أيضًا بمستقبل الأمن الغذائي في البلاد، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تشهدها سوريا منذ سنوات. وطالب مزارعون الجهات المعنية بإعادة النظر في التسعيرة الحالية، وربطها بتكاليف الإنتاج الحقيقية، بما يضمن تحقيق هامش ربح مقبول للفلاح، باعتباره “الركيزة الأساسية للأمن الغذائي”، وفق وصفهم.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي سامر الحسين، إن تسعير القمح بالليرة السورية في ظل عدم استقرار سعر الصرف يمثل “ظلمًا للفلاح وضربة للاقتصاد المحلي”. وأضاف الحسين لعنب بلدي، أن “الأفضل اقتصاديًا هو ربط سعر القمح بالدولار أو تحديد سعر صرف ثابت وواضح من قبل المصرف المركزي، مع منح الفلاح حرية الاختيار في طريقة البيع”. وأوضح أن محافظة الحسكة وحدها قد تنتج أكثر من مليون طن من القمح خلال الموسم، ما يعني ضخ كتلة مالية كبيرة بالليرة السورية في السوق، وهو ما قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على سعر الصرف ويخلق اضطرابات اقتصادية تؤثر على الفلاحين والموظفين في الوقت نفسه. وأشار إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن غالبية تكاليف الإنتاج الزراعي مرتبطة بالدولار، سواء من حيث البذار أو الأسمدة أو الأدوية الزراعية أو الوقود أو الحصاد والنقل، بينما يبقى سعر شراء المحصول بالليرة السورية. وقال الحسين، إن “الفلاح يخسر فعليًا في كثير من الحالات حتى عندما يكون الإنتاج جيدًا، لأن الفارق بين تكاليف الإنتاج وسعر الشراء لا يسمح بتحقيق هامش ربح حقيقي”. وأضاف أن استمرار التسعير الحالي دون مراعاة سعر الصرف أو تكاليف الإنتاج الواقعية “سيجعل الفلاح الخاسر الأكبر، ومعه الاقتصاد المحلي والاستقرار النقدي”.
رغم أن الحكومة السورية تسعى، وفق تصريحاتها، إلى تنظيم عمليات الاستلام وتحسين إدارة ملف الحبوب عبر المنصة الرقمية الجديدة، إلا أن الفلاحين يعتبرون أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بآلية التسليم بقدر ما ترتبط بالسعر الذي يحصل عليه المنتج النهائي. ويقول الفلاحون الذين التقتهم عنب بلدي إن أي سياسة تهدف إلى الحفاظ على إنتاج القمح محليًا يجب أن تبدأ من ضمان سعر شراء “منصف” يغطي التكاليف ويؤمن هامش ربح معقولًا، بما يشجع المزارعين على الاستمرار في زراعة المحصول الاستراتيجي الأهم في البلاد. وأكد الخبير الاقتصادي سامر الحسين أن دعم القمح المحلي أقل كلفة على الدولة من الاستيراد الخارجي على المدى الطويل، مضيفًا، أن “الدولة عندما تشتري من الفلاح المحلي بسعر مجزٍ، فهي تدعم الريف وفرص العمل ودوران الاقتصاد داخل البلد، وتحافظ على استقلال قرارها الغذائي في أوقات الأزمات والحروب”. ومع اقتراب موسم التسويق، يترقب مزارعو سوريا صدور التعليمات التنفيذية الخاصة بقرار شراء القمح، وسط آمال بإجراء تعديلات على التسعيرة الحالية، أو تقديم دعم إضافي يخفف من حجم الخسائر التي يقولون إنها باتت تهدد مستقبل الزراعة في المنطقة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة