قضية بتول علوش: كشف لأزمة غياب الطرف الثالث المستقل في سوريا وتداعيات الاستقطاب


هذا الخبر بعنوان "بتول بين العائلة والسلطة.. أزمة الطرف الثالث" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
انشغل السوريون الأسبوع الماضي بقضية الآنسة بتول علوش، بعد ظهور أهلها على وسائل التواصل الاجتماعي متهمين السلطة السورية باختطاف ابنتهم. أعادت هذه الاتهامات إلى الواجهة مفردات ثقيلة من الذاكرة السورية التي تشكلت بعد عام 2011، مثل “السبي” و”الخطف الطائفي”.
لاحقًا، ظهرت بتول في تسجيل مصور أمام عدد من الأشخاص، مؤكدة أنها غادرت منزل أهلها بإرادتها الحرة ولأسبابها الخاصة. ثم ظهرت مرة أخرى في تسجيل منفرد تنفي فيه بشكل واضح تعرضها للاختطاف. وكما كان متوقعًا في سوريا اليوم، لم يؤدِ ذلك إلى تهدئة الجدل، بل استمرت عائلتها في تكذيب الرواية الرسمية. وصل الأمر بوالدتها إلى المطالبة بتدخل دولي، مع مطالب وشعارات تجاوزت قضية الاختفاء نفسها، ودخلت مباشرة في قلب الاستقطاب السياسي والطائفي الذي تعيشه البلاد.
ما يلفت الانتباه في هذه القضية، كما يرى أحمد عسيلي، ليس فقط الحادثة نفسها، بل غياب أي جهة مستقلة قادرة على لعب دور الوسيط المحايد بين السلطة والعائلة والرأي العام. وهذا ربما يكشف واحدة من أخطر أزمات سوريا الحديثة، وهي غياب “الطرف الثالث”.
عند وقوع قضية حساسة تمس حرية امرأة أو احتمال تعرضها للإكراه، يفترض أن تتحرك تلقائيًا منظمات نسوية، وهيئات حقوقية، وجهات قانونية مستقلة، ليس بهدف إصدار الأحكام، بل بهدف التحقق، والاستماع، وتأمين الحد الأدنى من الثقة العامة. كان يمكن، مثلًا، أن تطلب إحدى المنظمات النسوية مقابلة مستقلة مع بتول بعيدًا عن السلطة والعائلة معًا، أو أن تصدر هيئة حقوقية تقريرًا أوليًا يخفف من حجم الشائعات والهلع والاستثمار السياسي، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث تقريبًا.
المفارقة أن السوريين امتلكوا بعد عام 2011 فرصة تاريخية لبناء مجتمع مدني حقيقي. تدفقت التمويلات، وظهرت مئات المنظمات، وأقيمت تدريبات ومؤتمرات حول العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان وتمكين المرأة. لكن بعد أكثر من عقد، تبدو معظم هذه الكيانات عاجزة عن لعب دور الوسيط المستقل، وتحول قسم كبير منها إلى جزء من الاصطفاف السياسي نفسه، أو إلى مؤسسات تعيش داخل عالم التمويل والخطابات النظرية أكثر مما تعيش داخل المجتمع الحقيقي.
هذا الغياب للطرف الثالث ليس تفصيلًا صغيرًا في الديمقراطيات الحديثة، بل هو أحد أعمدتها الأساسية. هنا في فرنسا مثلًا، وخلال عمل الكاتب في الإسعاف النفسي، قد يضطر أحيانًا إلى الاحتفاظ بمريض داخل المستشفى رغمًا عن إرادته، وإجباره أحيانًا على أخذ الدواء، إذا كان يشكل خطرًا على نفسه أو على الآخرين نتيجة اضطراب عقلي حاد، كما في بعض حالات التوهمات المرضية أو نوبات العنف الشديدة. لكن حتى في هذه الحالة، حيث تكون نية المستشفى هي الحماية والعلاج، لا يسمح القانون للمؤسسة بأن تكون وحدها صاحبة القرار.
في حالة ما يسمى منع خطر وشيك، يجب أن تُكتب شهادة طبية من طبيب لا يعمل في المستشفى نفسه الذي قرر الاحتفاظ بالمريض، أي أن القانون يشترط منذ البداية وجود عين خارجية مستقلة عن المؤسسة صاحبة القرار. أحيانًا يستلزم أيضًا توقيع طلب رسمي من شخص ثالث، من عائلة المريض غالبًا، أو أحد الأطراف الذين على تواصل معه، كممثل لسلطة اجتماعية تشارك المستشفى المسؤولية في احتجاز المريض ومنع حريته. ولا يتوقف الأمر هنا، إذ تُعرض الإجراءات لاحقًا على قاضٍ مختص يُعرف باسم “juge des libertés et de la detention”، أي “قاضي الحريات”، الذي يراجع قانونية القرار واستمراره.
يبدو أن جهاز الدولة في حالة بتول قام بواجبه من خلال حضور المحامي العام وقاضية ممثلة للسلطة القضائية في أثناء استجواب بتول، لكن الطرف الحقوقي والمنظمات المستقلة كانت الغائب الأبرز. وهذه مشكلة المجتمع السوري غير القادر على القيام بهذه المهام، أو أن مَن المفترض به القيام بهذه المهام غائب عن المشهد، وأصبح طرفًا في الدعاية السياسية، دون أي فعل حقيقي على الأرض.
الديمقراطية الحديثة إذًا لا تقوم على حسن النيات فقط، بل على فكرة أعمق: لا يجوز لأي جهة أن تكون الخصم والحكم والشاهد في الوقت نفسه. لذلك تحتاج المجتمعات إلى أطراف وسيطة مستقلة، تراقب وتتحقق وتخفف من تغول السلطة ومن انفجار المخاوف الجماعية في آن واحد.
في سوريا، تبدو المشكلة أكبر من مجرد أزمة سلطة أو أزمة معارضة. نحن أمام فشل طويل في بناء ذلك الحيز الوسيط بين الفرد والطائفة والدولة، ولهذا تتحول أي حادثة، مهما كانت فردية، بسرعة هائلة إلى معركة هويات وخوف جماعي وتعبئة سياسية. وعندما يغيب الطرف الثالث، لا يبقى أمام الناس سوى العائلة والطائفة والسلطة والإشاعة.
ربما تكون مهمة السوريين اليوم، بعد كل هذا الخراب، أكبر من مجرد تغيير نظام سياسي، وربما تكمن المهمة الأصعب في تأسيس ذلك “الطرف الثالث” القادر على حماية الحقيقة من الاستقطاب، وحماية الأفراد من السلطة، وحماية المجتمع من نفسه أيضًا.
سياسة
سياسة
سياسة
سوريا محلي