الصمود الإيراني: كيف أفشلت طهران سياسة "كسر العظم" الأمريكية الإسرائيلية على مدى 40 عامًا؟


هذا الخبر بعنوان "لغز البقاء الإيراني.. لماذا فشلت سياسة كسر العظم في إسقاط طهران؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على مدى يزيد عن أربعة عقود، شهدت منطقة الشرق الأوسط مواجهة مستمرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. هذه المواجهة، التي بدأت بفرض العقوبات، تصاعدت لتشمل الاغتيالات والحروب السرية والحصار الاقتصادي والهجمات السيبرانية، وصولًا إلى الاشتباكات العسكرية المباشرة وغير المباشرة في ساحات إقليمية متعددة. ومع ذلك، لم تسقط إيران، ولم ينهار نظامها السياسي، ولم تتفكك مؤسساتها، بل تحولت إلى لاعب إقليمي محوري يصعب تجاهله في أي ملف يتعلق بالشرق الأوسط.
يطرح هذا الواقع سؤالًا ملحًا: كيف استطاعت إيران الصمود في وجه أكبر قوة عسكرية عالمية، مدعومة بإسرائيل التي تتمتع بتفوق استخباراتي وعسكري هائل؟ الإجابة الحقيقية، كما يرى خالد المطلق، لا تكمن في الشعارات المتبادلة، بل في طبيعة الصراع نفسه. إنه ليس حربًا تقليدية شاملة، بل صراع استنزاف طويل ومعقد. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الساحق، تدرك أن أي حرب شاملة ضد إيران قد تتحول إلى كارثة إقليمية تهدد أمن الطاقة العالمي وتفجر المنطقة بأكملها. من جانبها، تعلم إسرائيل أن المواجهة المباشرة مع طهران لن تكون كحروبها السابقة، لأن إيران لا تقاتل وحدها بل عبر شبكة نفوذ واسعة. وفي المقابل، تدرك طهران عجزها عن خوض مواجهة تقليدية مع واشنطن، لذا بنت استراتيجيتها على "الحرب غير المتكافئة"، محوّلةً ضعفها العسكري التقليدي إلى أدوات استنزاف طويلة الأمد.
من هذا المنطلق، يمكن فهم سبب عدم تحول هذا الصراع إلى حرب شاملة حتى الآن، رغم كل التصعيد. فإيران لم تبنِ جيشًا فحسب، بل أسست مشروع نفوذ إقليمي. وقوتها الحقيقية لا تقتصر على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل تتجلى في البنية السياسية والعسكرية التي طورتها على مدى العقود الماضية. أدركت طهران مبكرًا أن حماية نفسها لا تكون داخل حدودها فقط، بل عبر توسيع دائرة نفوذها الإقليمي. لذلك، عملت على بناء تحالفات وقوى حليفة في عدة دول، مما جعل أي استهداف مباشر لها ينطوي على خطر اشتعال جبهات متعددة في المنطقة. هذه الاستراتيجية جعلت تكلفة الحرب ضد إيران باهظة جدًا، ليس عسكريًا فحسب، بل سياسيًا واقتصاديًا أيضًا، مما أبقى المواجهة ضمن حدود "الحرب المحسوبة"، حيث تُستخدم الضربات المحدودة والاغتيالات والعقوبات كبديل عن الاجتياح الشامل.
كان الرهان الأمريكي الأكبر يعتمد على أن العقوبات الاقتصادية ستؤدي في النهاية إلى انهيار داخلي أو انتفاضة شعبية تُسقط النظام. لكن الواقع أثبت أن العقوبات، رغم قسوتها، لم تحقق هذا الهدف. صحيح أن الاقتصاد الإيراني تلقى ضربات عنيفة، وأن التضخم والبطالة وتراجع العملة خلقت أزمات اجتماعية حقيقية، إلا أن الدولة الإيرانية استطاعت التكيف مع الحصار عبر نموذج يعتمد على "اقتصاد الصمود". فقد طورت إيران صناعاتها العسكرية، وبنت شبكات اقتصادية موازية، ووسعت اعتمادها على التصنيع المحلي، وابتكرت طرقًا للالتفاف على العقوبات. كما استخدم النظام الإيراني التهديد الخارجي كوسيلة لتعزيز التماسك الداخلي وإعادة إنتاج شرعيته السياسية، مما يعني أن العقوبات أرهقت إيران لكنها لم تدفعها إلى الانهيار.
تجدر الإشارة إلى أن جزءًا مهمًا من قوة إيران لم يأتِ فقط من سياساتها، بل أيضًا من أخطاء خصومها. فقد شكّل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 نقطة تحول استراتيجية في المنطقة، إذ أدى إلى إسقاط أكبر خصم إقليمي لإيران، وفتح الباب أمام تمدد نفوذها داخل العراق. كما أن ثورات الربيع العربي التي ضربت عدة دول عربية بعد عام 2011، وفّرت لطهران فرصًا إضافية لتوسيع حضورها السياسي والعسكري. وفي كل مرة تدخلت فيها واشنطن عسكريًا لإسقاط نظام ما، كانت تواجه لاحقًا أزمة أكبر تتمثل في كيفية إدارة الفوضى بعد إسقاط الدولة، وهذا تحديدًا ما جعل خيار الحرب المباشرة ضد إيران يبدو أكثر تعقيدًا من مجرد عملية عسكرية.
أما بالنسبة لإسرائيل، فإن إيران ليست مجرد دولة معادية، بل مشروع استراتيجي طويل الأمد. وتل أبيب ترى أن الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في البرنامج النووي الإيراني، بل في قدرة طهران على بناء بيئة إقليمية معادية حول إسرائيل. ولهذا، اعتمدت إسرائيل سياسة تقوم على الضربات الأمنية المركزة، مثل الاغتيالات والعمليات السيبرانية واستهداف المنشآت الحساسة وضرب خطوط الإمداد. لكن السنوات الماضية أظهرت أن هذه العمليات، رغم تأثيرها، لم تنجح في إنهاء المشروع الإيراني أو تفكيك قدراته بالكامل. بل إن إيران أثبتت قدرة واضحة على امتصاص الضربات وإعادة ترميم نفسها بسرعة نسبية.
ومع ذلك، من الخطأ تصوير إيران كقوة لا تُهزم. فالبلاد تواجه أزمات اقتصادية خانقة واحتجاجات داخلية متكررة وتراجعًا واضحًا في مستوى المعيشة، إضافة إلى أزمة ثقة متزايدة بين المجتمع والسلطة. لكن الفرق يكمن في أن النظام الإيراني تعلّم كيف يعيش داخل الأزمات وكيف يدير الصراع الطويل دون أن ينهار، وهنا تكمن نقطة قوته الأساسية.
خلاصة القول، إن إيران لم تصمد لأنها الأقوى عسكريًا، بل لأنها نجحت في تحويل الصراع مع خصومها إلى حرب استنزاف طويلة ومعقدة. كما أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان أن إسقاط إيران ليس مجرد قرار عسكري، بل مغامرة قد تشعل الشرق الأوسط بأكمله. ولهذا، تستمر المواجهة حتى اليوم ضمن معادلة دقيقة: لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، بينما لا تزال المنطقة تدفع ثمن هذا الصراع المفتوح الذي يبدو أنه لن ينتهي قريبًا.
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة