فن إدارة الخلافات الزوجية: مهارات الاحتواء والتواصل لبناء علاقة صحية ومستقرة


هذا الخبر بعنوان "مهارات الإدارة والاحتواء.. عندما تعصف الخلافات الزوجية بالبيوت" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عنب بلدي – شعبان شاميه
تُعد العلاقة الزوجية مساحة تتداخل فيها نقاط التفاهم مع جوانب الاختلاف، وهذا الأخير لا يشير بالضرورة إلى وجود خلل، بل يعكس الطبيعة الإنسانية التي تجمع شخصين لكل منهما خلفيته وتجاربه واحتياجاته المتفردة. تؤكد الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديثها إلى عنب بلدي، أن الخلاف في حد ذاته ليس دليلًا على ضعف العلاقة، بل هو جزء طبيعي من أي تفاعل إنساني مستمر، فوجود رأيين متباينين يعني حضور كل طرف بشخصيته واحتياجاته الخاصة.
المشكلة الحقيقية، بحسب العرنوس، لا تكمن في وقوع الخلاف، بل في كيفية إدارته. وتوضح أن التأثير السلبي يبدأ عندما يتحول الخلاف إلى أسلوب جارح أو يتكرر دون التوصل إلى حلول. وتشدد الاستشارية على أن العلاقة الصحية ليست تلك التي تخلو من الخلافات، بل هي التي تمتلك القدرة على احتوائها وإدارتها بوعي واحترام متبادل.
في كثير من الأحيان، لا يكون السبب الظاهري لتكرار الخلافات بين الزوجين هو المحرك الأساسي، بل تقف وراءه مشاعر غير معبّر عنها، وفقًا للعرنوس. وتضيف أن الخلاف قد يبدو حول مسائل بسيطة كالتنظيم اليومي أو المصروف، لكنه في العمق يرتبط بمشاعر أعمق مثل عدم التقدير أو غياب الاهتمام. كما يلعب اختلاف التوقعات بين الزوجين دورًا كبيرًا، خاصة إذا لم يتم التعبير عنها بوضوح منذ البداية. وتزيد الضغوط اليومية والإرهاق النفسي من حدة التوتر، مما يجعل ردود الفعل أكثر عنفًا من المعتاد.
عندما تتكرر الخلافات دون حلول جذرية، يتراكم ما يُعرف بـ"الاحتقان العاطفي"، حيث يبدأ كل طرف في الاحتفاظ بمشاعر سلبية مكبوتة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه المشاعر إلى مسافة نفسية بين الزوجين. وتوضح العرنوس أن التواصل قد يستمر في الأمور اليومية، لكن الرابط العاطفي يضعف تدريجيًا، مما يهدد الاستقرار الحقيقي ويجعل العلاقة شكلية أكثر منها عاطفية.
لا يرتبط الخطر بعدد الخلافات، بل بنوعها وأسلوبها. تحذر الاستشارية من أن العلاقة تبدأ بفقدان أساسها عندما يدخل الزوجان في نمط متكرر من النقد المستمر أو التقليل من قيمة الآخر، أو عندما يظهر الاحتقار بشكل مباشر أو غير مباشر. كما تنبه العرنوس إلى خطورة الصمت الطويل بهدف العقاب، كونه يخلق فجوة يصعب تجاوزها. وتعتبر أن الأخطر هو غياب محاولات الإصلاح بعد الخلاف، مما يترك المشاعر السلبية دون معالجة.
ترى العرنوس أن التواصل هو العمود الفقري للعلاقة الزوجية، لكنه لا يقتصر على الكلام فحسب، بل يشمل القدرة على التعبير عن المشاعر بوضوح دون اتهام، والاستماع بتركيز دون دفاع. وتشير إلى أن العديد من الأزواج يستمعون بهدف الرد لا الفهم، مما يزيد من سوء التفاهم. وتوضح أن التواصل الفعال يساعد على كشف الاحتياجات الحقيقية الكامنة وراء الكلمات، ويحول الخلاف إلى فرصة للفهم بدلًا من أن يكون ساحة صراع.
تبدأ إدارة الخلاف، وفقًا للاستشارية النفسية الأسرية، بالتحكم في الانفعال قبل الدخول في النقاش. وتعتبر أنه من المهم اختيار الوقت المناسب للحوار، وتجنب النقاش في لحظات الغضب الشديد. وتنصح العرنوس بالتركيز على المشكلة نفسها دون تحويلها إلى هجوم شخصي، فاستخدام عبارات تعبر عن الشعور الشخصي مثل "أنا أشعر" بدلًا من توجيه اللوم يساعد على تهدئة الحوار، لأن الهدف من النقاش ليس الفوز بل الوصول إلى حل يحافظ على العلاقة.
وترى الاستشارية أن الصمت قد يكون مفيدًا في لحظات معينة إذا كان الهدف منه تهدئة النفس قبل استكمال الحوار، مؤكدة أنه يصبح ضارًا عندما يتحول إلى وسيلة للهروب أو العقاب. وتشير العرنوس إلى أن الانسحاب المستمر يترك الطرف الآخر في حالة من الارتباك ويزيد من الشعور بالرفض، داعية إلى التوازن بين أخذ مساحة للهدوء والعودة لاحقًا للنقاش بشكل واضح وناضج.
يتأثر الأبناء بشكل كبير بالمناخ العاطفي داخل المنزل، بحسب العرنوس. وتوضح أن وجود الخلاف ليس هو ما يؤثر عليهم مباشرة، بل الطريقة التي يتم التعامل بها معه. فالخلافات التي تتسم بالصراخ أو التهديد تخلق شعورًا بعدم الأمان لدى الطفل. في المقابل، عندما يرى الطفل والديه يحلّان خلافاتهما بهدوء واحترام، فإنه يتعلم مهارات مهمة في التعامل مع الآخرين.
يصبح اللجوء إلى مختص ضروريًا، بحسب الاستشارية، عندما تتكرر نفس المشكلات دون تقدم، أو عندما يشعر أحد الطرفين بأنه غير قادر على التعبير أو الفهم، إضافة إلى حالات التوتر المستمر أو الشعور بالاستنزاف النفسي. فوجود طرف محايد متخصص يساعد على رؤية الأمور بوضوح، وإتقان مهارات جديدة للتعامل مع الخلافات.
وتختتم الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس حديثها لعنب بلدي، بالتأكيد على أن العلاقات لا تُبنى على غياب المشكلات، بل بالقدرة على إصلاحها وتخطيها. وتشدد على أن أهم المهارات التي يحتاج إليها الزوجان هي القدرة على العودة لبعضهما بعد الخلاف، والاعتذار الصادق، ومحاولة الفهم العميق لإعادة بناء الثقة.
صحة
صحة
صحة
صحة