حديقة البطرني في اللاذقية: حكاية قائد مملوكي خلد حبه للمدينة وذاكرة أجيالها


هذا الخبر بعنوان "“البطرني”.. حديقة تحمل قصة قائد مملوكي أحب اللاذقية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يطلب القائد البحري المملوكي، أبو بكر البطرني، شيئًا قبل وفاته سوى أن يُدفن قرب بحر اللاذقية. هذا القائد، الذي خدم في أسطول الظاهر بيبرس وخاض معارك البحر المتوسط وحرر اللاذقية من الغزاة، توفي في الإسكندرية عام 1277 م، بعيدًا عن المدينة التي عشقها. لكن الرواية التي يوثقها محمد يوسف ساعي، المهتم بالتراث الثقافي والشفهي للمدينة، تؤكد أن البطرني لم يغادر البحر حتى في مماته، فقد أوصى بأن يُعاد جثمانه إلى الساحل الذي أحبه أكثر من أي ساحة حرب خاضها. عبرت السفينة المتوسط بهدوء مختلف عن صخب المعارك، حاملة جثمانه نحو اللاذقية، ودُفن قرب الشاطئ في موقع عُرف لاحقًا باسم حديقة “البطرني”.
تغير كل شيء حول هذا المكان، لكن روحه بقيت. يوضح الباحث في التراث المادي حيدر نعيسة لعنب بلدي أن اللاذقية تبدلت بشكل كبير حول هذا القبر. فالبحر الذي كان قريبًا من الضريح تراجع خلف المرفأ، والبساتين التي كانت تحيط بالساحل اختفت تدريجيًا مع تمدد المدينة، ولم يعد المشهد الساحلي كما كان في الصور الأولى للمنطقة. ويضيف نعيسة أن حديقة “البطرني” كانت تضم سابقًا مقاهي بحرية صغيرة مثل “مقهى أبو كف” و”مقهى الصخرة”، كانت تطل مباشرة على البحر قبل أن تتغير الواجهة الساحلية. حتى الطريق الممتد نحو البحر كان يحمل هوية مختلفة، فشارع “فرنسا”، الذي يُعرف اليوم باسم شارع “المالكي” و”جبرائيل سعادة”، شكّل أحد أهم المحاور التي ربطت القلعة والأسواق القديمة بالمرفأ. وعند نهايته، كانت المدينة القديمة تنفتح مباشرة على البحر. أما الآن، فقد تحولت الحديقة إلى ساحة نابضة بالحياة تستضيف الفعاليات والمهرجانات، مثل معرض الزهور وأسواق الخير، وفقًا لنعيسة.
على أطراف حديقة “البطرني”، تنتشر أكشاك صغيرة تشكّل مصدر دخل يومي لعشرات العائلات التي تعتمد على حركة الزوار داخل الحديقة. من هؤلاء سامر (40 عامًا)، صاحب “كولبة” صغيرة ورثها عن والده الذي عمل فيها أكثر من عشر سنوات قبل وفاته. يقول سامر لعنب بلدي إن العمل لا يقوم على موسم ثابت، بل يعتمد على حركة الناس داخل المكان بشكل مستمر.
خلال جولة لعنب بلدي في حديقة “البطرني”، كان واضحًا أن المكان يعيش في ذاكرة الناس كجزء من تفاصيلهم الشخصية الأولى. عند سؤال عدد من كبار السن الجالسين في الحديقة عن ذكرياتهم الأولى، عاد “أبو علي” (50 عامًا) بذاكرته إلى وقت كان فيه بعمر سبع سنوات، حين كان ينزل إلى الشاطئ القريب لصيد السمك، قبل إنشاء المرفأ بالشكل الذي تبدو عليه المنطقة اليوم. قال “أبو علي” إن البحر كان أقرب، وإن شكل المكان تغيّر كثيرًا مع السنوات، لكن الحديقة بقيت بالنسبة له مرتبطة بتلك المرحلة المبكرة من حياته. أما “أم وليد” (52 عامًا)، فتقول إنها لا تزال تقصد الحديقة بشكل شبه يومي لأنها هادئة وبعيدة عن الضجيج، موضحة أنها تمر بها بعد انتهاء بعض المعاملات القريبة قبل العودة إلى منزلها. وترى أن “البطرني” بقي مكانًا يقصده الأهالي والسياح، وحتى بعض الباحثين الذين يزورون المنطقة بدافع الاهتمام بتاريخها. وفي زاوية قريبة من الأشجار المطلة على المرفأ، قال “أبو محمد” (65 عامًا) الذي لم يمضِ على عودته إلى اللاذقية سوى أيام قليلة بعد زيارته لابنه في ألمانيا، إن أول مكان خطر له بعد عودته كان حديقة “البطرني”. بالنسبة إليه، بقيت الحديقة واحدة من أكثر الأماكن ارتباطًا بذاكرة المدينة، ومتنفسًا اعتاد استقبال الزوار من داخل اللاذقية وخارجها منذ سنوات طويلة.
أكثر ما يلفت النظر في حديقة “البطرني” هي أشجارها الضخمة التي يتجاوز عمر بعضها مئة عام، والتي تحولت مع الوقت إلى جزء ثابت من ذاكرة المكان. تحت ظلالها جلس العشاق والأصدقاء والعائلات لعقود طويلة، وتناقلت المقاعد القريبة منها أسرارًا وحكايات صغيرة تخص أبناء المدينة وحدهم. هذه الأشجار التي شهدت أولى قصص الحب ولقاءات أهالي اللاذقية اليومية، تقف اليوم فوق المكان الذي ارتبط باسم قائد مملوكي أحب المدينة إلى حد أن يعود إليها بعد موته، وكأن علاقة البطرني باللاذقية لم تتوقف يومًا عند حكاية قبر قديم، بل استمرت داخل حياة الناس نفسها.
سياسة
سوريا محلي
ثقافة
ثقافة