احتجاجات واسعة في سوريا تندد بتسعيرة القمح الحكومية: الفلاحون يحذرون من تدمير الزراعة والأمن الغذائي


هذا الخبر بعنوان "احتجاجات تتوسع رفضًا لتسعيرة القمح.. فلاحون: “لا تجعلوها رمادًا”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت مدن وبلدات سورية عدة استمرارًا للاحتجاجات الرافضة لقرار وزارة الاقتصاد والصناعة في الحكومة السورية، الذي حدد سعر شراء طن القمح لموسم 2026 بـ46 ألف ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل نحو 330 دولارًا أمريكيًا بسعر الصرف الحالي. وتأتي هذه التحركات وسط تحذيرات متصاعدة من التداعيات السلبية لهذا القرار على مستقبل القطاع الزراعي والأمن الغذائي في البلاد.
تركزت الوقفات الاحتجاجية في مناطق زراعية حيوية بريف حماة والرقة ودير الزور والحسكة، حيث شارك مزارعون وأهالٍ في التعبير عن رفضهم للتسعيرة، واصفين إياها بـ"غير العادلة" وغير المتناسبة مع التكاليف الإنتاجية المرتفعة. ويأتي ذلك في ظل أزمات متراكمة يواجهها القطاع الزراعي، أبرزها ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة والبذار، بالإضافة إلى أجور النقل والحصاد.
حمل المحتجون خلال تجمعاتهم سنابل القمح ولافتات تحمل شعارات مثل "بطلنا نزرع"، و"لا تبخسوا الناس أشياءها"، و"القمح ذهب الجزيرة فلا تجعلوها رمادًا". تعكس هذه الشعارات حالة الغضب المتزايدة بين المزارعين الذين يرون أن محصول القمح، بوصفه محصولًا استراتيجيًا، لم يحظَ بالدعم الكافي رغم أهميته المحورية للاقتصاد السوري.
توسعت التحركات الاحتجاجية بشكل خاص في المناطق التي تعتمد على زراعة القمح كمصدر دخل رئيسي، مثل مدينة الرقة وسهل الغاب بريف حماة وأرياف دير الزور ومدينة عامودا في محافظة الحسكة، حيث خرج المزارعون للتعبير عن رفضهم القاطع للقرار الحكومي.
يرى المحتجون أن الحكومة السورية تبعث برسائل متناقضة للمزارعين؛ ففي الوقت الذي وضعت فيه سنابل القمح على أعلى فئة نقدية جديدة متداولة (فئة الـ500 ليرة سورية)، فإنها لم تعتمد، بحسب وصفهم، سياسات اقتصادية داعمة للفلاحين أو تسعيرة تضمن استمرارية الإنتاج الزراعي. ويتزامن هذا القرار مع اقتراب موسم الحصاد، حيث كان المزارعون يعولون على الموسم الحالي لتعويض سنوات الجفاف والخسائر المتراكمة، خاصة بعد تحسن معدلات الأمطار هذا العام.
من جانبه، صرح رئيس اتحاد الفلاحين في محافظة الحسكة، عبد الحميد الكركو، لعنب بلدي، بأن التسعيرة المعلنة "لا ترقى إلى مستوى طموحات الفلاحين ولا تتناسب مع الجهد المبذول أو تكاليف الإنتاج". وطالب الكركو بضرورة إعادة النظر في السعر المحدد، أو إضافة مكافأة تسليم لا تقل عن 120 دولارًا للطن الواحد، مؤكدًا أن دعم الفلاح والإنتاج الزراعي "أكثر أهمية من تحقيق أرباح مالية للجهة الشارية". وأشار إلى أن استمرارية زراعة القمح تتطلب سياسات دعم حقيقية، خاصة وأن القطاع الزراعي يمثل أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد المحلي في الجزيرة السورية.
في ريف الحسكة الجنوبي، أكد المزارع عبد الله الحجي أن التكاليف الباهظة حولت الزراعة إلى "خسارة بخسارة"، مشيرًا إلى الارتفاع الكبير في أسعار المازوت الزراعي والبذار والأسمدة والمبيدات، بالإضافة إلى أجور الحصاد والنقل. وأوضح الحجي أن الموسم الحالي لم يحقق التوقعات المرجوة رغم تحسن الأمطار، بسبب تأثير موجات البرد على نمو القمح، مما أدى إلى ظهور سنابل فارغة وتراجع في الإنتاجية. وأضاف أن الأعباء المالية لم تعد تقتصر على مستلزمات الزراعة الأساسية، بل تشمل تكاليف إضافية مثل شوال تعبئة القمح الذي يصل سعره إلى نحو دولارين، معتبرًا أن السعر الحكومي لن يتيح للفلاحين تحقيق أي هامش ربح أو تسديد الديون المتراكمة. وحذر الحجي من أن استمرار هذه التسعيرة قد يدفعه إلى التوقف عن زراعة أرضه في المواسم المقبلة، على غرار العديد من المزارعين الذين يفكرون في ترك العمل الزراعي.
المزارع محمد داوي، الذي زرع هذا العام نحو 300 دونم من القمح، أوضح أن تكاليف الزراعة شهدت ارتفاعًا غير مسبوق، بدءًا من أسعار السماد والبذار وصولًا إلى المبيدات والمحروقات وأجور الحصاد. وبيّن أن سعر طن السماد بلغ نحو 615 دولارًا، وتكلفة المبيدات لكل عشرة دونمات وصلت إلى نحو 13 دولارًا، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الحراثة بسبب زيادة سعر المازوت الزراعي إلى 25 سنتًا. وأضاف أن تكاليف الحصاد وحدها قد تصل إلى نحو 75 دولارًا لكل عشرة دونمات، مما يجعل التسعيرة الحكومية الحالية غير قادرة على تغطية النفقات الأساسية للموسم الزراعي. وأعرب داوي عن صدمة الفلاحين من القرار، حيث كانوا يتوقعون تحديد سعر شراء القمح عند 55 سنتًا للكيلوغرام الواحد على الأقل لتغطية التكاليف وتسديد الديون، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي سيدفع الكثير من سكان الأرياف إلى الابتعاد عن الزراعة.
ووصف المزارع حسين العايد قرار الحكومة بـ"المجحف بحق الفلاحين"، معتبرًا أن التسعيرة الجديدة جاءت أقل بكثير من التكاليف الفعلية للإنتاج. وأعرب عن خيبة أمل الفلاحين الذين كانوا يأملون أن تستفيد الحكومة من تحسن الموسم الزراعي هذا العام وتمنح سعرًا يشجع على الاستمرار في زراعة القمح. وأشار العايد إلى أن القرارات الاقتصادية المتعلقة بأسعار المازوت الزراعي وتسعيرة القمح انعكست سلبًا على معيشة المواطنين، وأن الزراعة تحولت من مصدر رزق إلى عبء اقتصادي. ولفت إلى أن عددًا من الفلاحين يرفضون بيع محصولهم بالسعر الحالي، مفضلين تخزين القمح في المنازل "أفضل من بيعه بهذه التسعيرة" ما لم تتم إعادة النظر في القرار.
يعد القمح محصولًا استراتيجيًا حيويًا في سوريا، حيث تعتمد عليه البلاد في إنتاج الخبز وتأمين جزء كبير من احتياجاتها الغذائية، وتشكل محافظات الجزيرة السورية (الحسكة والرقة ودير الزور) الخزان الزراعي الأبرز للقمح. ومع ذلك، يواجه القطاع الزراعي تحديات متزايدة، وفقًا للفلاحين الذين التقتهم عنب بلدي، تشمل تراجع الدعم الحكومي، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتذبذب أسعار المحاصيل، بالإضافة إلى آثار الجفاف والتغيرات المناخية، مما أدى إلى تراجع المساحات المزروعة وتقلص قدرة الفلاحين على الاستمرار. ويرى المزارعون أن تسعير المحاصيل الاستراتيجية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تكاليف الإنتاج الحقيقية ويضمن هامش ربح معقولًا، مؤكدين أن استمرارهم في الزراعة يرتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي للبلاد.
سياسة
اقتصاد
سوريا محلي
صحة