احتجاجات الفلاحين السوريين تدفع الحكومة لإعادة النظر في تسعيرة القمح: جدل حول السيادة والأمن الغذائي


هذا الخبر بعنوان "تسعيرة القمح… سيادة سوريا تبدأ من حقوق فلاحيها" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت الأوساط الزراعية السورية غضباً واسعاً بين الفلاحين إثر تحديد الحكومة السورية تسعيرة القمح لهذا العام، والتي اعتبرت غير كافية لتغطية تكاليف الإنتاج. وبعد موجة الغضب العارمة، تشير التوقعات إلى أن الحكومة ستعدل التسعيرة، في خطوة تُفسر على أنها استيعاب للاحتياج الراهن وليس قناعة راسخة بأولوية القطاع الزراعي. (سناك سوري دمشق)
إن تحديد سعر القمح، بصفته محصولاً استراتيجياً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن الغذائي في سوريا، يُعد قراراً سيادياً لا يقتصر على توقيع وزير الاقتصاد، بل ينبع من التوجهات الحكومية العامة. فإذا كانت هذه التوجهات تدعم الفلاح والزراعة، فإن الحكومة تقر حزمة سعرية مجزية ومحفزة. أما في حال عدم الاهتمام بالزراعة، فتكون الحزمة السعرية منخفضة.
على سبيل المقارنة، تعتمد دول مثل العراق والأردن سياسات واضحة لدعم الفلاح وتشجيع الأمن الغذائي. ففي العراق، يصل سعر القمح إلى أكثر من 600 دولار للطن الواحد، وهو سعر مرتفع يعكس سياسة الدعم هذه. وتتبع دول عديدة أخرى نهجاً مشابهاً في تشجيع الزراعة ودعم الفلاحين وحماية أمنها الغذائي.
أما السعر الذي حددته الحكومة السورية لهذا العام، فيعادل حوالي 335 دولاراً للطن، وهو سعر تعتبره الحكومة متقارباً مع تكاليف الاستيراد. حيث يتراوح سعر الطن العالمي حالياً بين 239 و 284 دولاراً، يضاف إليها حوالي 60 دولاراً لتكاليف النقل. وفي العام الماضي، وصل السعر المحدد إلى 455 دولاراً للطن الواحد، متضمناً مكافأة تشجيعية جاءت على شكل منحة من رئاسة الجمهورية، وكانت تمثل جزءاً من الكتلة السعرية الإجمالية التي التزمت بها الدولة تجاه الفلاح. وقد جاءت تلك المكافأة التشجيعية آنذاك أيضاً بعد احتجاجات الفلاحين، وفي ظل وجود منافسة في عملية الشراء بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية، وهي منافسة غابت هذا العام.
لكن ظروف هذا العام تبدو مختلفة تماماً بالنسبة للحكومة، التي ترسخت سياستها القائمة على التحرير السعري والتوجه نحو التنافس، حتى لو كان ذلك بين المنتج الوطني والمستورد.
بعد يوم واحد من احتجاجات الفلاحين في سوريا، وخاصة في مناطق زراعة القمح مثل الرقة، تداولت بعض وسائل الإعلام أنباء عن نية الحكومة معالجة الانخفاض السعري عبر مكافأة تشجيعية ستتحمل الحكومة تكلفتها، وربطت هذه المكافأة برئاسة الجمهورية. وفي حال إقرارها بهذا الشكل، فإن هذه المكافأة ستكون قراراً سياسياً مرتبطاً بالاحتجاجات وبصورة الرئاسة أكثر منه دعماً استراتيجياً للفلاحين والأمن الغذائي، فالدعم الحقيقي هو فعل استراتيجي مرتبط بسياسات مستدامة، وليس مجرد ردود فعل آنية.
تأتي أزمة سعر القمح هذه بعد تعديل حكومي شمل وزارة الزراعة، حيث حُمّل الوزير السابق مسؤولية تدهور القطاع الزراعي. إلا أن الواقع كان يشير إلى تدني أهمية الزراعة بالنسبة للحكومة وتهميشها، ولم تكن المشكلة إدارية بحتة، بدليل القرار الحكومي بتحديد سعر القمح بهذا الشكل الذي لا ينصف الفلاح. كما أن الوزير الجديد، وهو شخصية قوية في الدولة ومن أوساط اتخاذ القرار، لم ينجح في تحصيل تسعيرة منصفة للفلاحين من الحكومة، ولم يعلق علناً على هذا القرار أو ينحاز للفلاحين، مما يعكس النظرة العامة للزراعة والسياسة والاستراتيجية الحكومية تجاهها.
وعلى مستوى النقابات، كان رد فعل اتحاد الفلاحين المركزي في سوريا خجولاً جداً، ولم يرتقِ لدور النقابات في قيادة الاحتجاجات. واقتصر على تصريحات صحفية محدودة تطالب بإعادة النظر في التسعيرة. وهذا يعكس مشكلة تمثيلية أخرى للفلاحين وضعف الجهات التي تدافع عنهم، مما يدفعهم لاتخاذ الشارع أداة للتعبير والمواجهة. وحتى عملية التفاوض بين المحتجين والحكومة تمت عن طريق عضو مكتب تنفيذي في دير الزور يمثل السلطة التنفيذية، ولم تتم عبر الاتحاد المعني بحماية حقوق الفلاحين والدفاع عنها.
تعود أزمة سعر القمح لعوامل عديدة. فإذا قُبلت رواية البعض بأن القرار يعود لوزير الاقتصاد وليس للحكومة ككل، فإن هذا يعكس أزمة تنسيق حكومية خطيرة. وإن كانت أزمة التنسيق الحكومية موجودة وملحوظة، كما أشارت مقالات سابقة حول غياب التواصل الحكومي، فإن هذه الحكومة لم تجتمع سوى ثلاث مرات منذ تشكيلها، وبعد التعديل الحكومي لم يجتمع الوزراء الجدد ضمن الحكومة ولا مرة ولم يؤدوا اليمين القانونية بصورة علنية، لكنهم باشروا مهامهم حالهم حال المحافظين.
لكن القرارات في الحكومة لا تُتخذ بشكل مستقل، وإنما تعبر عن توجهات واستراتيجيات وُضعت تحت إشراف القيادة. ورغم أنها غير معلنة بشفافية، إلا أنه يمكن قراءتها من المعطيات التي تشير إلى أن الزراعة هامشية وليست أولوية للحكومة السورية، مقارنة بالاستثمار في الرفاهية والاستهلاك.
إن علاج مشكلة ارتفاع تكلفة إنتاج القمح السوري يتطلب أن تتحول الزراعة إلى أولوية حكومية، وأن يكون دعمها استراتيجياً. فالطريق الوحيد لتخفيض تكاليف الإنتاج، من حراثة وبذار وسماد ورش مبيدات حشرية وصولاً للري والحصاد، والتي تقدر بأكثر من 400 دولار للطن الواحد وأحياناً تصل إلى 500 دولار، هو الدعم الاستراتيجي. وفي حال غياب هذا الدعم، ستتكرر هذه المشكلة كل عام، وقد يصل الأمر إلى مرحلة يعزف فيها الفلاح عن زراعة القمح ويتجه لمحاصيل أخرى أكثر جدوى بالنسبة له.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة