سوريا: صفقات المليارات المؤجلة.. هل هي إعادة إعمار أم بيع للأصول والنفوذ؟


هذا الخبر بعنوان "سوريا للبيع.. الصفقة المؤجلة" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُشير محمد محمود هرشو إلى أن سوريا اليوم لا تبدو وكأنها بلدٌ يُعاد بناؤه، بل أقرب إلى سوقٍ ضخمة يجري التمهيد للاستحواذ عليها. فمنذ انهيار النظام السابق، شهدت البلاد تدفقاً هائلاً من مذكرات التفاهم والوعود الاستثمارية من جهات خليجية وتركية ودولية، بقيم تتجاوز عشرات المليارات. إلا أن الجزء الأكبر من هذه الوعود لم يتجاوز كونه حبراً على ورق، أو بقي في طور "الإعلان السياسي" بعيداً عن التنفيذ الفعلي.
خلال أقل من عام، برزت مشاريع واتفاقات تتعلق بقطاعات حيوية مثل الموانئ، والطاقة، والمطارات، والاتصالات، والعقارات، والمناطق الحرة، والمدن الذكية، وحتى مشاريع المترو والسياحة الفاخرة. فقد أعلنت السعودية، من خلال صندوق "إيلاف"، عن استثمارات بمليارات الدولارات في المطارات والطاقة والاتصالات. في المقابل، دخلت الإمارات بقوة في قطاعات الموانئ والعقار والمشاريع السياحية، بينما تتحرك تركيا وقطر ضمن شراكات ترتبط بقطاعات الطاقة والبنية التحتية والخدمات.
لكن خلف هذا الاندفاع الظاهري، تكمن حقيقة أكثر برودة: فمعظم هذه المشاريع لا يزال في إطار مذكرات تفاهم، وهي اتفاقات أولية غير ملزمة، تنتظر اتضاح شكل النظام الإقليمي الجديد، ومصير العقوبات الدولية، وحدود النفوذ داخل سوريا نفسها. حتى التقارير الاقتصادية الأكثر تفاؤلاً تعترف بأن جزءاً كبيراً من "الهجوم الاستثماري" الحالي لم يتحول بعد إلى عقود تنفيذ فعلية. هذا ليس مجرد تفصيل تقني، بل يكشف عن طبيعة اللحظة الراهنة.
ما يجري اليوم يشبه عملية "حجز مسبق" لبلد بأكمله. فالجميع يسعى للحصول على موطئ قدم قبل تثبيت الخرائط النهائية: من سيسيطر على المرافئ؟ من سيدير الطاقة؟ من سيمتلك وسط دمشق؟ من سيحتكر الاتصالات؟ ومن سيحظى بالساحل والعقارات والسياحة وإعادة الإعمار؟ في الظاهر، يبدو الأمر وكأنه سباق لإعادة بناء سوريا، لكنه في العمق أقرب إلى إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والجغرافي في بلد منهك ومنخفض الكلفة بعد سنوات الحرب.
ولهذا السبب، تتركز معظم المشاريع المعلنة حول العقار، والمرافئ، والسياحة، والاتصالات، والطاقة، والمناطق الحرة. أي القطاعات التي تنتج السيطرة طويلة الأمد، لا التنمية الحقيقية. فنادراً ما نسمع، على سبيل المثال، عن خطط جدية لإحياء الصناعة السورية، أو لإعادة بناء الزراعة، أو لتحقيق اكتفاء اقتصادي مستدام. كل الضوء يتجه نحو الأبراج، والفنادق، والمولات، والمدن الحديثة، والمشاريع المرتبطة برأس المال العابر للحدود.
في مراكز الدراسات الغربية، يُستخدم منذ سنوات مفهوم "إعادة هندسة المدن بعد الحروب"، أي تحويل المدن المدمرة إلى أصول مالية ضخمة يُعاد تشكيلها وفق منطق الاستثمار لا وفق حاجات السكان الأصليين. وهذا ما يجعل المعركة الحقيقية في سوريا القادمة ليست فقط على السياسة، بل على الملكية نفسها. فمن يملك المرفأ يملك التجارة، ومن يملك العقار يملك المال، ومن يملك المال يعيد تشكيل المدينة والمجتمع والسياسة بهدوء أكبر من أي دبابة.
الخطير في كل ما يحصل ليس الشركات والدول التي تتحضر للدخول، بل السلطة التي تبدو مستعدة لبيع كل شيء تقريباً تحت عنوان "الاستثمار" و"إعادة الإعمار". فما يجري اليوم في سوريا يشبه تصفية شركة مفلسة أكثر مما يشبه بناء دولة خرجت من حرب. ثمة سلطة لا تتعامل كدولة تحاول حماية ما تبقى من الاقتصاد الوطني، بل كوسيط يفتح الأبواب ويعرض الأصول ويبحث عن مشترين.
أما الأخطر فهو أن السوريين المنهكين قد يصفقون لأي مشروع زجاجي جديد لأنهم تعبوا من الخراب، بينما تمر الصفقة الحقيقية تحت الطاولة: انتقال السيطرة التدريجي من دولة محطمة إلى شبكات مال إقليمية ودولية تنتظر اللحظة المناسبة للدخول الكامل. لهذا، لا تبدو سوريا اليوم بلداً يُبنى بقدر ما تبدو بلداً يجري تسعيرها. والسؤال هنا ليس كيف سيُعاد إعمار سوريا، بل لمن سيُعاد؟
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد