إعادة تعريف دور الأونروا في سوريا: تحديات التمويل وواقع اللاجئين الفلسطينيين


هذا الخبر بعنوان "في ظل خطاب التعافي ونقص التمويل: هل يعاد رسم دور الأونروا في سوريا؟" نشر أولاً على موقع شبكة فلسطينيو سورية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى الكاتب الصحفي ماهر شاويش أن اللاجئين الفلسطينيين في سوريا يواجهون واقعاً مختلفاً تماماً عن الخطاب الأممي المتزايد حول «لحظة مفصلية» والانتقال من الإغاثة إلى التعافي والتنمية. فبينما يؤكد مسؤولو الأمم المتحدة، خلال زياراتهم الأخيرة إلى دمشق، على هذا التحول، وتكشف اجتماعات الناشطين الفلسطينيين مع مسؤولي الأونروا وزياراتهم للمخيمات الفلسطينية ولقاءاتهم بمندوبين عن لجان التنمية المجتمعية عن نتائج معينة، يبقى واقع اللاجئين أقرب إلى حالة طوارئ ممتدة منه إلى أي شكل من أشكال التعافي أو سياق التنمية.
هذا التباين الحقيقي بين الخطاب والواقع ينعكس مباشرة على سياسات وكالة الأونروا، التي تبدو اليوم وكأنها تعيد صياغة دورها تحت ضغط ثلاث سرديات رئيسية تُستخدم لتبرير تقليص الخدمات: نقص التمويل، نقل المسؤولية، والترويج لخطاب «التعافي المبكر».
نقص التمويل: هل هو تفسير مشروع أم مبرر غير كافٍ؟
لا خلاف على أن الأونروا تواجه أزمة تمويل حادة تفاقمت خلال السنوات الأخيرة نتيجة لتراجع دعم بعض الدول المانحة، مما أثر فعلياً في قدرة الوكالة على الاستمرار في تقديم خدماتها بالمستوى نفسه. لكن الإشكالية لا تكمن في الاعتراف بالأزمة فقط، بل في كيفية إدارتها. ففي الحالة السورية، ترافق الحديث عن العجز المالي مع تقليص شبه كامل للمساعدات النقدية والغذائية منذ ما يزيد على عام ونصف، وهي المساعدات التي تشكّل خط الأمان الأخير لعشرات آلاف العائلات.
وفي ظل واقع تشير فيه تقديرات الأونروا نفسها إلى أن الغالبية الساحقة من اللاجئين تعاني من انعدام الأمن الغذائي، يصبح السؤال مشروعاً: هل يُعاد ضبط مستوى الخدمات وفق حجم التمويل، أم يجب أن يُعاد حشد التمويل وفق حجم الاحتياج؟ ولعلنا نستشهد هنا أيضاً بتصريحات صدرت عن برنامج الأغذية العالمي، إذ أكد منذ أيام أن: «تقليص المساعدات في سوريا سببه نقص التمويل وليس تراجع الاحتياجات».
هذه الحقيقة ليست مجرد ملاحظة تقنية، بل رسالة أممية واضحة تستحق التوقف عندها؛ فهي تؤكد أن الأزمة الإنسانية ما تزال مستمرة، وأن الجوع يتفاقم، بينما تتراجع الاستجابة الدولية. ووفق برنامج الأغذية العالمي أيضاً، يعاني 7.2 ملايين شخص في سوريا من انعدام حاد في الأمن الغذائي، ويواجه 1.6 مليون شخص مستويات شديدة من الجوع. وقد خُفّضت المساعدات الغذائية الطارئة إلى النصف، وأُوقف برنامج دعم الخبز الذي كان يخدم حتى 4 ملايين شخص يومياً.
في ضوء هذه الحقائق، كيف يمكن الحديث عن «إنهاء حالة الطوارئ» أو تبرير وقف المساعدات تحت عنوان «التعافي المبكر»؟ وأي تعافٍ هذا بينما المنظمات الأممية نفسها تؤكد أن الاحتياجات لم تتراجع؟ بناءً على ما سبق، فإن الجوع لا ينتهي بإعلان إداري، والتعافي لا يبدأ بقطع المساعدات عن الشرائح الأكثر ضعفاً. إن ما يعزز هذه الإشكالية هو التلاقي غير المباشر بين خطاب الأونروا وخطاب أوسع داخل منظومة الأمم المتحدة يدفع باتجاه إبراز «سوريا كقصة تعافٍ» تستحق الاستثمار.
نقل المسؤولية: هل يُقصد بها الشراكة أم الانسحاب التدريجي؟
بالتوازي مع تقليص الإغاثة، برز اتجاه متزايد نحو ما يُسمّى «المسؤولية المشتركة»، من خلال مطالبة الأونروا، عبر مسؤوليها وبشكل صريح، مؤسسات الدولة السورية بتوسيع دورها في تقديم خدمات داخل المخيمات الفلسطينية، تشمل مجالات مثل النظافة والتعليم والصحة. ورغم أن هذا التوجه قد يبدو عملياً من زاوية عدم توقف الخدمات في ظل محدودية الموارد، فإنه يطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة تفويض الأونروا نفسها.
فالوكالة لم تُنشأ لتكون جهة تنسيق بين أطراف مختلفة، بل آلية دولية لتقديم خدمات مباشرة للاجئين الفلسطينيين إلى حين حل قضيتهم وعودتهم إلى مدنهم وقراهم وديارهم التي هُجّروا منها. وبالتالي، فإن نقل أعباء أساسية إلى جهات أخرى، خصوصاً في بيئة تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية وخدمية، قد يُفهم ليس بوصفه شراكة، بل بوصفه إعادة تعريف تدريجية للدور والمهمة التي أُنشئت هذه المنظمة لأجلها، كما ورد نصاً في قرار تأسيسها الأممي.
«التعافي المبكر»: خطاب جذّاب لكن في غير سياقه؟
ربما يكون التحوّل الأكثر حساسية هو التوسع في استخدام مفهوم «التعافي المبكر»، الذي بات يشكّل إطاراً عاماً لخطاب الاستجابة الأممية في سوريا. ففي تصريحات مسؤولي الأمم المتحدة، يجري التأكيد على أن البلاد دخلت مرحلة جديدة تتيح الانتقال من الإغاثة إلى الاستثمار في المستقبل. لكن الحقيقة تقول إن هذا التوصيف، عند إسقاطه على واقع اللاجئين الفلسطينيين، يثير تساؤلات جدية.
فالتعافي في تعريفه العملي يفترض وجود حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، وقدرة على الوصول إلى الخدمات، وفرص حقيقية لسبل العيش. وهي شروط لا تزال غائبة إلى حد كبير في المخيمات الفلسطينية، حيث يستمر الاعتماد على المساعدات النقدية والغذائية، وما تزال معدلات الفقر والبطالة مرتفعة جداً، في حين تبقى عمليات إعادة الإعمار محدودة مقارنة بحجم الدمار. بل إن المخيمات الفلسطينية لم تدخل أصلاً مرحلة إعادة الإعمار، وما يجري عملياً هو عمليات ترميم محدودة، وبشروط تعجيزية، يجعل التوصيف الأقرب لها أنها حلول ترقيعية.
في هذا السياق، وضمن هذه الحال، يصبح استخدام خطاب «التعافي» محفوفاً بالمخاطر، ليس لأنه غير مهم، بل لأنه قد يُستخدم لإعادة ترتيب الأولويات على حساب الاستجابة الطارئة، التي لا تزال الحاجة إليها قائمة، بل وضرورة ملحّة. وما بين الخطاب الأممي والواقع الميداني، فإن ما يعزز هذه الإشكالية هو التلاقي غير المباشر بين خطاب الأونروا وخطاب أوسع داخل منظومة الأمم المتحدة يدفع باتجاه إبراز «سوريا كقصة تعافٍ» تستحق الاستثمار.
هذا التوجه، رغم ما يحمله من أبعاد سياسية وتنموية مفهومة، قد يؤدي عملياً إلى تراجع الإحساس بالإلحاح لدى المانحين، وإلى إعادة توجيه التمويل نحو مشاريع طويلة الأمد، وكذلك إلى تقليص البرامج الإغاثية المباشرة، وهو ما يضع اللاجئين مرة أخرى في فجوة بين خطاب متفائل وواقع هش، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
الخلاصة: فجوة تتسع ودور على المحك
لا يمكن إنكار أن تطوير أدوات الاستجابة وربط الإغاثة بالتنمية يمثلان مساراً ضرورياً على المدى الطويل. لكن الإشكالية تبدأ حين يتم هذا التحول في بيئة لم تتجاوز بعد مرحلة الطوارئ. وفي الحالة الفلسطينية السورية، لا تبدو المشكلة في وجود خطاب «التعافي»، بل في توقيته، وفي استخدامه وتسويقه كبديل لا كمكمّل لحالة الطوارئ والإغاثة.
وهنا تتجاوز المسألة كونها أزمة تمويل أو إدارة برامج، لتصبح سؤالاً أعمق حول مستقبل دور الأونروا: هل ستبقى جهة ضامنة لتلبية الاحتياجات الأساسية للاجئين وفق تفويضها الأممي الأصلي، أم إنها تتجه تدريجياً نحو نموذج جديد يُعاد فيه تعريف هذا الدور تحت ضغط الواقع؟ حتى الآن، ما تزال الإجابة غير محسومة. لكن ما هو واضح أن أي تحول لا ينطلق من الواقع الفعلي للاجئين، وإنما يعتمد بشكل أساسي على حدود التمويل أو متطلبات الخطاب الدولي، يحمل من دون شك مخاطر إنسانية لا يمكن تجاهلها. ووحده اللاجئ، الذي يشكّل الحلقة الأضعف، هو من سيدفع ضريبتها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة