عين العرب: دمشق تنجح في دمج المناطق وتتجاوز تحديات استراتيجية مع "قسد"


هذا الخبر بعنوان "عين العرب.. كيف نجحت الحكومة في تفكيك أكثر العقد حساسية على مستوى دمج المناطق؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تسلمت الحكومة السورية يوم الاثنين الماضي إدارة منطقة عين العرب «كوباني»، بالتزامن مع صدور القوائم الأولية لأعضاء الهيئات الناخبة في دوائر الحسكة والمالكية والقامشلي وعين العرب. تمثل هذه الخطوة نجاحاً للحكومة السورية في تجاوز أكثر الملفات حساسية ضمن عملية دمج المناطق التي كانت خاضعة لتنظيم "قسد"، خاصة وأن عين العرب كانت منطقة محورية ضمن مشروع "الإدارة الذاتية" التابع لـ"قسد".
جغرافياً، تشكل عين العرب عقدة وصل ديمغرافية حيوية بين حلب وشرق نهر الفرات. وهي المنطقة الإدارية الثانية عشرة في محافظة حلب، والوحيدة التابعة لحلب التي تقع على الضفة اليسرى للنهر عند دخوله الأراضي السورية قادماً من تركيا. هذا الموقع منحها أهمية استراتيجية، وجعلها بوابة طبيعية تربط ريف حلب الشمالي الشرقي بعمق الجزيرة السورية وعموم مناطق شرقي الفرات. مع عودتها إلى إدارة الحكومة السورية، يُتوقع أن تؤدي عين العرب دوراً بارزاً في إعادة رسم العلاقة بين حلب ومناطق الجزيرة، ليس فقط على مستوى الخرائط الإدارية، بل ضمن سياق اقتصادي أوسع يركز على إعادة تنظيم الحضور الاقتصادي والاجتماعي.
تبلغ المساحة الإجمالية لمنطقة عين العرب نحو 273 ألف هكتار، أي 2730 كيلومتراً مربعاً، وتضم أربع نواح رئيسية هي: مركز عين العرب، وصرين، والجلبية، والشيوخ التحتانية، بالإضافة إلى ما بين 360 و384 قرية صغيرة. يشكل الأكراد الغالبية في مركز المنطقة (مدينة عين العرب)، بينما يشكل العرب الغالبية في نواحي المنطقة، خاصة في ناحيتي صرين والشيوخ، مما يعكس تنوعاً سكانياً واجتماعياً واسعاً في كامل الجغرافيا الإدارية.
تتجاوز أهمية عين العرب في سياق توحيد الدولة كونها مجرد عقدة أخرى تم تفكيكها على طريق تنفيذ اتفاق الاندماج مع "قسد". إنها جزء من خطة عمل كاملة تنفذها الحكومة بصبر ودون ضجة، حتى في ظل التوترات التي قد تندلع حول بعض التفاصيل. كل نجاح في تنفيذ اتفاق الدمج سبقه أو رافقه توترات، لكن الحكومة السورية كانت ترد بالعمل الهادئ لحلحلة العقد وتنتظر اكتمال العمل لإعلانه. وقد كان هذا البطء، إن صح التوصيف، متوقعاً منذ توقيع الاتفاق بين الحكومة و"قسد" في 29 كانون الثاني، حيث تم التحضير لكل التحديات. اعتمدت الحكومة على روح الاتفاق، واتخذت مسارات عمل مرنة، مستغلة أي نافذة مفتوحة للحلول والتسويات. ولضمان نجاح الاتفاق وتجنب الانتكاسات، شكلت مؤسسة الرئاسة فريقاً رئاسياً برئاسة العميد زياد العايش للإشراف على التنفيذ.
تم تسلم الحكومة السورية رسمياً لإدارة منطقة عين العرب «كوباني» في ريف حلب الشرقي يوم الاثنين الماضي، بحضور المكلف بإدارة المنطقة إبراهيم مسلم، ومدير الأمن الداخلي للمنطقة مجد الدين الشيخ، وعدد من الشخصيات الرسمية. التقى مسلم ممثلين عن الإدارة الذاتية، بينهم مدير الناحية محمد محمد، في المقر المخصص لإدارة المنطقة (الذي كان سابقاً مقراً لـ"الإدارة الذاتية")، حيث بحثوا آلية تسيير شؤون المدنيين وسبل إنجاح عملية الاندماج الإداري والأمني. كما التقى مسلم يوم السبت الماضي قائد تنظيم "قسد" مظلوم عبدي في مدينة الحسكة، لمناقشة ملفات خدمية وأمنية وإدارية ومشاريع تنموية تتعلق بالمدينة وريفها. وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت في وقت سابق تسلم مبنى مديرية الأمن الداخلي في عين العرب ومباشرة مهامها رسمياً.
تزامن هذا التطور مع إصدار اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب القوائم الأولية لأعضاء الهيئات الناخبة عن الدوائر الانتخابية الأربع: الحسكة والمالكية والقامشلي وعين العرب. تعد هذه القوائم أساساً للعملية الانتخابية، وتحدد من يحق له الاقتراع، وتمثل مرحلة متقدمة في استكمال الاستحقاق الدستوري في المناطق التي شهدت تأخيرات سابقة. يتيح نشر القائمة الأولية فرصة الاعتراض والطعن لتصحيح الأخطاء، مما يضمن نزاهة وشفافية العملية الانتخابية. كانت محافظة الحسكة ومنطقة عين العرب من المناطق التي أرجئت فيها الانتخابات البرلمانية السابقة بسبب سيطرة "قسد" والتحديات الأمنية. لكن بعد اتفاق 29 كانون الثاني 2026، الذي تضمن تسليم المؤسسات المدنية والحكومية، أصبحت هذه المناطق جاهزة للانتخابات، مما يعزز الوحدة الوطنية. أكد المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة، أن الانتخابات بعيدة عن مبدأ المحاصصة، وأن التمثيل العادل لجميع مكونات الشعب السوري سيكون مضموناً على صعيد الكفاءات.
يبرز سؤال حول المحطة التالية بعد تسلم إدارة عين العرب. يرى المحلل السياسي المعتصم الكيلاني، في حديث لـ"الثورة السورية"، أن المرحلة التالية لن تكون مجرد استكمال لتسلم المؤسسات، بل انتقالاً إلى مستوى أعمق وأكثر حساسية، خاصة فيما يتعلق بملفات القضاء والمعابر والسجون واللامركزية الإدارية، والدمج الأمني، وتنظيم العلاقة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، ومستقبل قوات "قسد". يعتبر الكيلاني أن ما يجري في شرق الفرات ليس مجرد إعادة انتشار للدولة السورية، بل محاولة لإعادة صياغة العقد السياسي السوري نفسه بعد سنوات الحرب والانقسام. ويرى أن تعثر بعض الملفات، مثل القصر العدلي في الحسكة، مؤشر على أن أصعب مراحل الدمج قد بدأت بالفعل: مرحلة توحيد الشرعية والمؤسسات والهوية الوطنية، لا استعادة الجغرافيا فقط.
يضيف الكيلاني أن تسلم إدارة عين العرب هو خطوة سياسية وإدارية مهمة، ورسالة واضحة بأن الدولة السورية تحاول الانتقال من إدارة "التفاهمات المؤقتة" إلى إعادة بناء حضور الدولة تدريجياً في شرق الفرات. هذه العملية تقوم على التدرج، والتفاوض المستمر، وإعادة تعريف العلاقة بين المركز السوري والمناطق التي خضعت لسنوات لإدارة ذاتية مستقلة نسبياً. ويرى الكيلاني أن التحدي الأهم قد يكون داخلياً ومجتمعياً أكثر منه سياسياً، فنجاح الاندماج يعتمد على قدرة الدولة على تقديم نموذج مختلف يطمئن الناس، ويحد من المخاوف المرتبطة بعودة المركزية الأمنية القديمة، ويعترف بالتنوع الاجتماعي والثقافي ضمن إطار وطني موحد. ويتوقع أن تقوم المرحلة المقبلة على توسيع أكبر لاستعادة الدولة حضورها داخل المؤسسات المدنية والخدمية بشكل تدريجي، دون صدام مباشر مع البنية القائمة للإدارة الذاتية، كما ظهر في إعادة تشغيل بعض المؤسسات الرسمية وتفعيل المعابر.
يركز العديد من المحللين على جهود توحيد الدولة، معتبرين أن اتفاق الاندماج يمضي بصورة جيدة، حيث يتم تذليل ملفات معقدة وشائكة للغاية. هذا يدعو إلى التفاؤل بأن بقية الملفات ستجد طريقها إلى الحل، وربما أسرع مما هو متوقع، خاصة مع ضغط تحديات الإقليم باتجاه تسريع إتمام الاندماج. هذا جزء من مشروع أكبر للاستقرار في المنطقة، استناداً إلى أهمية سوريا الجيوسياسية والاقتصادية ودورها في أمن الطاقة والتجارة العالمية. هناك توافق على أن أكثر الملفات حساسية بين الحكومة و"قسد" قد تم تجاوزها، خاصة الجانبين العسكري والأمني، مما يعني أن بقية الملفات ستتجه تلقائياً نحو الحل. لقد تجاوز الاتفاق "مرحلة المخاطر" بدفع من خطة عمل الحكومة الناجحة وتطورات الإقليم التي تريد لسوريا استعادة موقعها كعامل استقرار وأمن. دخل ملف الاندماج مرحلة حاسمة بعد توقيع اتفاق جديد، هو الثالث، في 29 كانون الثاني الماضي، بعد فشل اتفاقين سابقين بسبب تعنت "قسد". لكن التوترات العسكرية التي افتعلتها "قسد" أجبرتها في نهاية المطاف على توقيع اتفاق أوسع وأشمل، وسط تحولات كبيرة شهدتها سوريا والمنطقة، مما يجعل التزام "قسد" أمراً لا مفر منه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة