الحسكة: أسواق “البالة” تتصدر المشهد الاقتصادي المحلي بفعل تدهور القدرة الشرائية


هذا الخبر بعنوان "من “العبّارات” إلى واجهة السوق.. “البالة” تتمدد في الحسكة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد أسواق الألبسة المستعملة، المعروفة محليًا باسم “البالة”، في مدينة الحسكة توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. يأتي هذا التوسع نتيجة لارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية لدى الأهالي، مما جعل هذه الأسواق وجهة أساسية لآلاف العائلات التي تبحث عن بدائل أقل تكلفة مقارنة بالألبسة الجديدة.
بعد أن كانت محال “البالة” تقتصر قبل سنوات على عدد محدود من “العبّارات” والمحلات الصغيرة التي تستهدف شريحة ضيقة من السكان، أصبحت اليوم جزءًا لا يتجزأ من الحركة التجارية في المدينة. وتستقطب هذه الأسواق حاليًا مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، خاصة مع تبدل المواسم واقتراب فصل الصيف، حيث يزداد الطلب على الألبسة الخفيفة وألبسة الأطفال.
تنتشر أسواق الألبسة المستعملة في عدة مناطق بمدينة الحسكة، أبرزها شارع يوسف العظمة الملاصق لشارع فلسطين، وشارع الجامع الكبير، وشارع المكتبات الذي يمتد من الساحة المركزية باتجاه دوار البلدية. كما تشمل هذه المناطق شارع سينما القاهرة، ومنطقة جنوب سوق الهال القديم قرب دوار كراج سرافيس غويران.
ولم يقتصر توسع تجارة “البالة” على هذه الشوارع الرئيسية، بل امتد ليشمل الأحياء السكنية، حيث افتتحت عشرات المحال والمنازل التي تعرض الألبسة المستعملة بأسعار متفاوتة، مما جعلها جزءًا حيويًا من النشاط الاقتصادي اليومي في المدينة وريفها.
تشهد أسواق “البالة” في الحسكة حركة نشطة بشكل خاص مع تبدل الفصول، إذ يقصدها الأهالي لشراء الملابس المناسبة، لا سيما الألبسة القطنية وأحذية الأطفال، بأسعار تقل كثيرًا عن مثيلاتها الجديدة في الأسواق النظامية. تتراوح أسعار القطعة الواحدة من الألبسة المستعملة بين 10 آلاف و50 ألف ليرة سورية، وذلك بحسب نوع القطعة وجودتها والعلامة التجارية الخاصة بها، إضافة إلى الفئة العمرية المخصصة لها.
في المقابل، قد تصل أسعار بعض الأحذية والقطع ذات الجودة العالية إلى أكثر من 200 ألف ليرة سورية. ورغم أن الهدف الأساسي لمعظم المتسوقين هو البحث عن الأسعار الأرخص، إلا أن بعض أنواع “البالة” الأوروبية أصبحت مرتفعة التكاليف، خصوصًا القطع ذات الجودة العالية أو الماركات المعروفة، حتى إن أسعار بعضها تتجاوز أحيانًا أسعار الألبسة الجديدة المحلية.
وفي هذا السياق، أفاد بائع الألبسة المستعملة، محمود الخلف، وهو صاحب محل في الحسكة، بأن الإقبال على “البالة” تضاعف بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة. وأضاف في تصريح لعنب بلدي أن السوق كان يعتمد سابقًا على ذوي الدخل المحدود فقط، “أما اليوم فحتى أصحاب الدخل المتوسط باتوا يشترون من البالة بسبب ارتفاع أسعار الألبسة الجديدة بشكل كبير”.
وأوضح الخلف أن حركة البيع تنشط بشكل ملحوظ مع تبدل المواسم وقبل الأعياد وبداية المدارس، مشيرًا إلى أن بعض الزبائن يبحثون عن الجودة أكثر من السعر، خاصة في الألبسة الأوروبية. وقال: “هناك قطع أوروبية ممتازة تعيش سنوات طويلة، لذلك يفضّلها الناس على بعض الأنواع الجديدة الموجودة في الأسواق”، لافتًا إلى أن بعض القطع المستوردة تكون مرتفعة الثمن “لكنها تبقى ذات جودة أعلى”. وبيّن الخلف أن الأسعار تختلف بحسب مصدر البضاعة وفرزها، إذ تُباع بعض القطع ضمن “تنزيلات” أو عبر البسطات بأسعار منخفضة، بينما تُعرض القطع ذات الجودة العالية داخل المحال بأسعار أكبر.
من جانبه، أكد أحمد العلي، وهو موظف وأب لأربعة أطفال، أن “البالة” أصبحت الخيار الوحيد بالنسبة لكثير من العائلات. وأضاف أن شراء ملابس جديدة لجميع أفراد الأسرة بات يتطلب مبالغ لا تتناسب مع مستوى الدخل، مما يضطر كثيرين للبحث عن القطع الأرخص.
وأوضح العلي أن أسعار الملابس الجديدة في الأسواق “مرتفعة جدًا”، خاصة مع تراجع القدرة الشرائية، في حين يمكن الحصول على عدة قطع مستعملة بالمبلغ نفسه الذي يُدفع لقاء قطعة جديدة واحدة. وأشار إلى أن كثيرًا من الأهالي يفضّلون شراء الملابس الأوروبية المستعملة بسبب جودتها، رغم أن بعضها لم يعد رخيصًا كما كان في السابق.
بدورها، ذكرت هناء المحمد، وهي نازحة تقيم في الحسكة منذ عدة سنوات، أنها تعتمد بشكل شبه كامل على أسواق “البالة” لتأمين احتياجات أطفالها. وأضافت أن القدرة الشرائية لمعظم العائلات النازحة والفقيرة لا تسمح بشراء الألبسة الجديدة باستمرار، خاصة مع تعدد متطلبات المعيشة وارتفاع أسعار الغذاء.
وأوضحت المحمد أن بعض المحال تعرض قطعًا بحالة جيدة جدًا، “حتى إن بعضها يبدو جديدًا”، مشيرة إلى أنها تفضّل شراء الملابس الأوروبية المستعملة لأنها “أكثر جودة وتحملًا”. لكنها لفتت في الوقت نفسه إلى أن أسعار بعض القطع أصبحت مرتفعة، خاصة الأحذية والقطع ذات الماركات المعروفة، “وفي أحيان كثيرة نجد أن سعر القطعة المستعملة يقترب من سعر الجديدة”.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي فراس العبد الله أن اتساع أسواق “البالة” في الحسكة وبقية المدن السورية يعكس بشكل مباشر تدهور الوضع المعيشي وتراجع القدرة الشرائية لدى السكان. وقال في تصريح لعنب بلدي إن الألبسة المستعملة تحولت من سوق هامشية إلى جزء رئيسي من الاقتصاد المحلي، نتيجة الفجوة الكبيرة بين الدخل والأسعار.
وأضاف العبد الله أن ارتفاع أسعار الألبسة الجديدة يعود إلى عدة عوامل، من بينها تكاليف الاستيراد والنقل وارتفاع أسعار المحروقات وتراجع الإنتاج المحلي، مما دفع شريحة واسعة من السكان إلى الاعتماد على البدائل الأرخص. وأشار إلى أن انتشار “البالة” لا يقتصر على الفئات الأشد فقرًا فقط، بل يشمل أيضًا الطبقة المتوسطة التي تضررت خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن بعض أنواع “البالة” الأوروبية باتت تُصنف ضمن السلع مرتفعة السعر بسبب جودتها العالية والطلب المتزايد عليها، “حتى إن بعض القطع تُباع بأسعار تفوق الملابس الجديدة المحلية”. وبيّن العبد الله أن وجود عدد كبير من العائلات النازحة في الحسكة، إضافة إلى الأسر القادمة من الأرياف الفقيرة، ساهم في زيادة الطلب على الألبسة المستعملة، باعتبارها الخيار الأكثر ملاءمة من الناحية الاقتصادية.
وعلى الرغم من الانتقادات التي تُوجَّه أحيانًا لهذه الأسواق من ناحية جودة بعض البضائع أو غياب الرقابة الكافية عليها، فإنها ما تزال تشكل متنفسًا اقتصاديًا لآلاف العائلات التي تجد فيها فرصة لتأمين احتياجاتها الأساسية من الملابس، في ظل ظروف معيشية متدهورة وارتفاع متواصل في الأسعار.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي