فيروس هانتا: هل يفاقم تغير المناخ وتدمير الموائل خطر انتشاره في أوروبا؟


هذا الخبر بعنوان "هل فيروس هانتا يهدد أوروبا؟ تغيّر المناخ وتدمير الموائل يزيدان الخطر" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كان فيروس هانتا منتشراً في أوروبا قبل وقت طويل من تفشيه الأخير على متن السفينة “إم في هوندياس”. ومع تصاعد المخاوف من جائحة عالمية جديدة هذا الشهر، بعد أن تحولت سفينة الرحلات “إم في هوندياس” إلى بؤرة لتفشٍ قاتل لفيروس هانتا، يبرز تساؤل حول ما إذا كان تغير المناخ سيزيد من خطر العدوى في المستقبل.
وفقاً لأحدث تقرير عن “الأخبار الخاصة بتفشي الأمراض” الصادر عن منظمة الصحة العالمية، تم الإبلاغ عن 11 حالة إصابة، بينها ثلاث وفيات، اعتباراً من 13 أيار/مايو. ورغم ترجيح تسجيل مزيد من الحالات نظراً لديناميكيات انتشار العدوى على متن السفن وفترة حضانة الفيروس، تؤكد منظمة الصحة العالمية عدم وجود مؤشرات حالياً على “تفشٍ أوسع”. وقد أثارت عناوين الصحف حول عزل الركاب وصور عمال الإسعاف يرتدون معدات الوقاية الشخصية مقارنات مع جائحة “كوفيد-19”. إلا أن منظمة الصحة العالمية سعت لتبديد هذه المخاوف، مشيرة إلى اختلاف طبيعة انتقال المرضين. وصرحت ماريا فان كيرخوف، مديرة الاستعداد للأوبئة والجائحات في منظمة الصحة العالمية، تعليقاً على وفاة أول راكب: “هذا ليس فيروس كورونا. أريد أن أكون واضحة تماما هنا. هذا ليس SARS-CoV-2 وليس بداية جائحة كوفيد”.
يُطلق اسم فيروسات هانتا على عائلة من الفيروسات، وليس على مرض واحد، وقد استمدت اسمها من نهر في كوريا الجنوبية. هناك أكثر من 20 نوعاً مختلفاً من هذه الفيروسات، يرتبط معظمها بالإصابة عن طريق القوارض مثل الجرذان والفئران. وعلى الرغم من أن معظم فيروسات هانتا لا تنتقل من شخص إلى آخر، فقد تم توثيق حالات نادرة من انتقال العدوى بين البشر بسلالة فيروس الأنديز، وهي السلالة المسؤولة عن التفشي على متن سفينة الرحلات. ومع ذلك، لا يحدث الانتقال إلا عبر المخالطة اللصيقة. ففي عام 2018، على سبيل المثال، شهدت الأرجنتين تفشياً للفيروس رُبط بحفلة، ويُعتقد أن شخصاً واحداً مصاباً نقل العدوى إلى 34 شخصاً آخرين، مما أدى إلى 11 حالة وفاة.
يربط العلماء منذ زمن بعيد بين تغير المناخ والأمراض المعدية، حيث يُعد المناخ عاملاً حاسماً في توزيع وانتشار الكائنات الحية، بما في ذلك العوائل الحاملة للأمراض والناقلات والعوامل الممرضة ذاتها. وبحسب دراسة نُشرت عام 2022 في مجلة “Nature” العلمية، فإن أكثر من نصف الأمراض المعدية التي تصيب البشر حساسة للمناخ، بما في ذلك فيروسات هانتا. ويقول كريس موراي، الأستاذ في “وحدة مجلس البحوث الطبية في غامبيا” التابعة “لجامعة لندن للصحة والطب الاستوائي”، في حديث إلى “يورونيوز إيرث”: “كلما كان المرض حساساً للمناخ، كان هناك احتمال لأن يؤثر تغير المناخ في علم أوبئته، بما في ذلك نطاق انتشاره وآثاره على الناس”. ويضيف أن تغير خصائص المناخ يمكن أن يؤثر مباشرة في وجود أو وفرة الأنواع المضيفة للفيروس، مثل العديد من أنواع القوارض، مما قد يؤثر في توقيت تكاثرها ونجاحه، وبالتالي على مستوى تعرض البشر للعدوى.
إن فقدان الموائل الطبيعية أو تدميرها أو تدهورها، والذي غالباً ما ينجم عن إزالة الغابات بسبب الأنشطة البشرية، يمكن أن يؤثر في انتقال الأمراض بصورة مباشرة وغير مباشرة. ويوضح موراي أنه في المناطق التي توجد فيها عوائل للأمراض الحيوانية المنشأ، يمكن أن تؤدي إزالة الغطاء النباتي أو غيرها من الأنشطة التخريبية إلى تحريك العوامل الممرضة في البيئة. فالإصابة بفيروس هانتا، على سبيل المثال، غالباً ما تكون نتيجة إزعاج المناطق التي تعيش فيها القوارض (وهي الخزان الطبيعي للفيروس)، حيث يطرح الفيروس في فضلاتها وبولها ويمكن أن يبقى في البيئة لفترة من الزمن. وعندما تتعرض هذه البيئات للاضطراب، يمكن أن تصبح العوامل الممرضة معلقة في الهواء، مما يعني أن الأشخاص الموجودين في الجوار والذين يستنشقونها قد يُصابون بالعدوى. ويقول البروفيسور يورغ شيلينغ، المدير السابق لمعهد الطب العام في مستشفى الجامعة “إل إم يو ميونيخ”، في حديث إلى “يورونيوز إيرث”: “غالباً ما تفضل النظم البيئية المجزأة الأنواع الخازنة القادرة على التأقلم، مثل القوارض والخفافيش والقراد، في حين تضعف التوازنات البيئية الطبيعية التي تساعد في كبح انتقال العوامل الممرضة”.
تعمل منظمة الصحة العالمية حالياً انطلاقاً من فرضية أن انتقال العدوى وقع قبل صعود الركاب إلى السفينة. فمنذ تموز/يوليو الماضي، سجلت الأرجنتين 101 حالة إصابة بفيروس هانتا، بينها 32 حالة وفاة، وهي أرقام أعلى بكثير من الفترة 2024-2025 التي أُبلغ خلالها عن 64 حالة إصابة و14 حالة وفاة. ويحذر خبراء من أن هذه الزيادة جاءت في أعقاب موجة جفاف حادة ضربت الأرجنتين عامي 2023 و2024، أعقبتها زيادة في معدلات هطول الأمطار في السنوات التالية، مما يعني مزيداً من الغطاء النباتي ومصدراً أكبر للغذاء للقوارض التي تُعد عوائل لفيروس هانتا مثل الجرذان.
كان فيروس هانتا موجوداً في أوروبا قبل وقت طويل من تصدر عناوين الصحف في مطلع هذا الشهر؛ إذ يعود أول تفشٍ موثق له إلى عام 1934 في السويد. وتشير دراسة نُشرت عام 2009 في “المكتبة الوطنية للطب” إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في غرب ووسط أوروبا ارتبط بزيادة تفشيات فيروس “بوومالا” من فيروسات هانتا، عبر زيادة إنتاج البذور وارتفاع كثافات فئران الحقل الحاملة للفيروس. في المقابل، أدت فصول الشتاء الدافئة في اسكندنافيا إلى تراجع أعداد هذه الفئران نتيجة غياب الغطاء الثلجي الواقي. ويُعد فيروس “بوومالا” السبب الأكثر شيوعاً لعدوى فيروس هانتا في أوروبا، ويمكن أن ينتقل إلى البشر عبر استنشاق غبار محمول جواً ملوث ببول أو فضلات أو لعاب فئران الحقل المصابة. ويسبب الفيروس شكلاً خفيفاً من “الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية”، مع مجموعة أعراض تمتد من الحمى المفاجئة والصداع إلى آلام الظهر والبطن. ومع ذلك، نادراً ما يكون هذا المرض قاتلاً، كما أنه لا ينتقل من إنسان إلى آخر.
ويشرح موراي: “توجد فيروسات هانتا في أنحاء العالم كافة، بما في ذلك أوروبا، ومن المتصور أن يخلق تغير المناخ فرصاً جديدة أو متزايدة لانتقالها إلى البشر، لكننا نحتاج إلى مزيد من العمل لفهم المخاطر على مستوى الأنواع المضيفة الفردية”. ويضيف: “الأهم بالنسبة لفيروسات هانتا أنه، رغم تسببها أحياناً في إصابات بشرية متفرقة حول العالم، فإنها لا تُظهر عادة قدرة قوية على الانتقال من إنسان إلى آخر، وهذه النقطة تحديداً هي ما يميز الحالات النادرة المتفرقة – التي تكون في العادة معزولة نسبياً – عن التجمعات البشرية الأكبر من المصابين كما نرى في التفشي الحالي”. ويرى شيلينغ أن نماذج المناخ تشير إلى أن أجزاء من شمال وغرب أوروبا على وجه الخصوص قد تصبح “أكثر ملاءمة” لأنواع من القوارض تعمل كخزانات لفيروس هانتا. ويقول: “قد تشهد المناطق التي عرفت تاريخياً مناخاً أكثر برودة – بما في ذلك أجزاء من اسكندنافيا والمنطقة البلطيقية والمناطق الأعلى ارتفاعاً في وسط أوروبا – مواسم انتقال أطول وأنماطاً متغيرة من وفرة القوارض مع ارتفاع درجات الحرارة”. ويضيف شيلينغ أن المشهد العام للأمراض الحيوانية المنشأ في أوروبا مرشح لأن يتغير “بشكل كبير” خلال العقود المقبلة، على الرغم من استمرار حالة عدم اليقين بشأن التغيرات الجغرافية الدقيقة لانتشار فيروس هانتا.
في أعقاب تفشي فيروس هانتا، يدعو الخبراء صانعي القرار إلى تعزيز أنظمة الترصد التي تدمج البيانات الوبائية والبيئية والمناخية معاً. ويقول شيلينغ: “يشمل ذلك مراقبة متغيرات مثل درجة الحرارة، وكميات الهطول، ومؤشرات الغطاء النباتي، وتغير استخدامات الأراضي، ومؤشرات التنوع البيولوجي، بالتوازي مع ترصد الأمراض لدى البشر”. ويضيف: “على المستوى الوطني، تستخدم بعض البلدان بالفعل تنبؤات مستندة إلى المناخ للأمراض المنقولة بالنواقل، مثل حمى الضنك، وشيكونغونيا، وفيروس غرب النيل، أو التهاب الدماغ المنقول بالقراد، ويمكن أن تكون نماذج يُحتذى بها لترصد أوسع”. ويرى شيلينغ أن أنظمة الصحة العامة في أنحاء أوروبا لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاستثمارات في بنى تحتية قادرة على الصمود أمام تغير المناخ، مشدداً على أن الوقاية من التفشيات المقبلة تعتمد ليس فقط على تحسين أنظمة الترصد، بل أيضاً على معالجة الأسباب الجذرية لاختلال النظم البيئية وتغير المناخ نفسه.
وتقول “الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة” IUCN إن التفشي الأخير لفيروس هانتا كشف عن “حل غير متوقع”: هو إعادة تأهيل الطبيعة واستعادتها. فقد خلصت دراسة نُشرت عام 2021 في موقع “Science Direct” إلى أن استعادة المناظر الطبيعية للغابات الاستوائية يمكن أن تقلص أعداد نوعين رئيسيين من القوارض الخازنة، مما يخفض خطر انتقال العدوى لنحو 2.8 مليون شخص يعيشون في مناطق معرضة للخطر. وتقول باولا بريست من “الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة”: “يجب الاعتراف بالاستعادة بوصفها تدخلاً في مجال الصحة العامة. فبينما بات دورها في التخفيف من تغير المناخ واستعادة التنوع البيولوجي راسخاً، فإنها تمثل أيضاً استراتيجية حيوية لحماية صحة الإنسان”. ويختتم موراي بالقول إن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم مخاطر التفشيات فهماً أفضل، ولا سيما فيما يتعلق “بالأمراض الناشئة التي تظهر حديثاً في صفوف البشر أو تسلك سلوكاً يبدو مختلفاً عن المعتاد”.
صحة
صحة
صحة
صحة