سياسة

مسارات قانونية ودولية لمساءلة إسرائيل عن اعتقال السوريين في الجنوب السوري

enabbaladi.net٢٤ أيار ٢٠٢٦ في ٠٩:٢٢ ص7 مشاهدة
مسارات قانونية ودولية لمساءلة إسرائيل عن اعتقال السوريين في الجنوب السوري

تنويه

هذا الخبر بعنوان "وفق القوانين والمعاهدات الدولية.. مسارات لمقاضاة إسرائيل بملف المعتقلين السوريين" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيار ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تُعد عمليات الاعتقال التي تنفذها القوات الإسرائيلية في الجنوب السوري إحدى أدوات التضييق الممنهجة على سكان المنطقة، إلى جانب ممارسات أخرى تشمل التوغلات وعمليات التفتيش وإقامة الحواجز وتجريف الأراضي وهدم المنازل. وقد باتت هذه التوغلات وحملات التفتيش مصدر رعب للأهالي، خشية تحولها إلى اعتقالات تطال بعض الشبان، مما يؤدي إلى إخفاء قسري للمعتقل دون أي معلومات عن وجهته أو إمكانية التواصل معه. ويُقدر عدد المعتقلين بـ 47 شخصًا من محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق.

تعبيرًا عن رفضهم لممارسات الجيش الإسرائيلي واعتقال ذويهم، نظّم أهالي وذوو المعتقلين في السجون الإسرائيلية وقفة احتجاجية أمام المقر الرئيس للأمم المتحدة في دمشق بتاريخ 19 من أيار الحالي. تضمنت الوقفة تسليم مطالبهم إلى الفريق الأممي في دمشق، مطالبين بالكشف عن مصير المعتقلين، وفقًا لمراسل عنب بلدي.

تسعى عنب بلدي إلى استعراض المسارات والإجراءات القانونية الممكن اتباعها بموجب القانون الدولي لمساءلة إسرائيل عن عمليات الاعتقال في الجنوب السوري. كما تؤكد على أهمية توثيق هذه العمليات والمسؤولية الملقاة على عاتق الحكومة السورية في متابعة هذا الملف مع الجهات الدولية.

المسارات القانونية لرفع الشكاوى

أوضح مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني، أن الاحتجاز الإسرائيلي للسوريين يُصنف ضمن نظام القانون الدولي الإنساني الخاص بالاحتلال العسكري، وبالتحديد اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ونظامها المتعلق بحماية الأشخاص المحميين، خاصة في مادتيها 27 و42. وأشار إلى أن "الشبكة السورية" وثّقت منذ كانون الأول 2024 حالات احتجاز تعسفي لسكان من جنوبي سوريا ونقلهم قسرًا إلى إسرائيل، وهو ما يشكل انتهاكًا صريحًا للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر النقل القسري من الأراضي المحتلة. كما ذكر أن مجلس حقوق الإنسان طالب مرارًا بالإفراج عن المعتقلين السوريين في السجون الإسرائيلية، بمن فيهم من احتجزوا لأكثر من 30 عامًا.

وبيّن عبد الغني أن الإجراءات القانونية المتاحة للشكوى ضد إسرائيل بخصوص عمليات الاعتقال في الجنوب السوري تشمل عدة مسارات:

  • المسار الأول: آليات الأمم المتحدة: يتمثل في توجيه شكاوى موثقة إلى المقرر الخاص المعني بالتعذيب، والمقرر الخاص المعني بالاحتجاز التعسفي، بالإضافة إلى الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري. كما يملك مجلس حقوق الإنسان صلاحية تبني قرارات مخصصة للمعتقلين السوريين، مثل القرار "A/HRC/22/L.3" الذي طالب بالإفراج عنهم. وتُعد لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، المنشأة بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان "S-17/1" لعام 2011، ذات تفويض قابل للتوسيع ليشمل الانتهاكات المرتكبة ضد السوريين من أي طرف.
  • المسار الثاني: محكمة العدل الدولية: يمكن استغلال كون سوريا دولة طرفًا في اتفاقية جنيف الرابعة وسائر معاهدات حقوق الإنسان ذات الصلة، مما يمنحها أهلية رفع دعوى أمام المحكمة استنادًا إلى الاختصاص القائم على المعاهدات، مثل اتفاقية مناهضة التعذيب أو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بشرط توفر الاختصاص بين الدولتين. ومع ذلك، يعترض هذا المسار بعض المعوقات بسبب غياب قبول إسرائيل للولاية الإلزامية للمحكمة، مما يقيد هذا المسار وفق مبدأ الاختصاص القائم على الرضا.
  • المسار الثالث: الولاية القضائية العالمية: يعتبر هذا المسار الأكثر قابلية للتفعيل في المدى المنظور، عبر تقديم ملفات قانونية من خلال منظمات حقوق الإنسان إلى دول تعترف بمبدأ الولاية القضائية العالمية، مثل ألمانيا وهولندا وبلجيكا. يستند هذا المسار إلى الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف، وتحديدًا جرائم النقل القسري والاحتجاز التعسفي بوصفها جرائم حرب وفق المادة 8 (2)(أ) من نظام روما الأساسي.

أهمية التوثيق الاسمي والملفات الفردية

أكد بيان ذوي المعتقلين أمام المقر الرئيس للأمم المتحدة أن ما يتعرض له المعتقلون هو جريمة "اختفاء قسري مكتملة الأركان"، تضرب بعرض الحائط جميع القوانين الدولية واتفاقيات جنيف المعنية بحماية المدنيين. وأشار البيان إلى أن أسماء وملفات هؤلاء المختفين قسرًا قد وُثقت رسميًا وبدقة لدى فريق الأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري، مطالبًا بتحرك فوري للضغط من أجل إطلاق سراح المعتقلين.

شدد مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني، على أن أي ملف قانوني دولي يتطلب التحقق من الهوية الفردية لإثبات شخصية الضحية وصفتها القانونية المحمية. فمعايير لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وإجراءات اللجان التعاهدية الأخرى تستلزم تقديم شكاوى فردية تتضمن بيانات هوية المعتقل، وتاريخ الاحتجاز وظروفه، مما يجعل قاعدة البيانات الاسمية ركيزة إجرائية لا يمكن الاستغناء عنها.

وأضاف أن التوثيق، الذي تركز عليه "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، يُمكّن من إثبات ثلاثة عناصر جوهرية:

  1. إثبات النمط الممنهج: يرفع الانتهاكات الفردية إلى مستوى جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، وفق ركن الاتساع والمنهجية في المادتين 7 و8 من نظام روما الأساسي.
  2. دحض إنكار الاحتجاز: حيث دأبت إسرائيل في حالات كثيرة على إنكار احتجاز أشخاص بعينهم، مما يجعل التوثيق المستقل عنصرًا مركزيًا يسهم في تقويض هذا الإنكار وترسيخ مسؤولية الدولة.
  3. تفعيل آلية الاستفسار الفردي: أمام هيئات المعاهدات، إذ إن اللجان التعاهدية، ولا سيما لجنة حقوق الإنسان واللجنة الفرعية لمنع التعذيب، تشترط ملفات فردية محددة لأي تدخل في حالات الاحتجاز.

وبيّن عبد الغني أن الزاوية التوثيقية المتخصصة لـ"الشبكة السورية" تشترط أن يشمل الملف اسم المعتقل وتاريخ ميلاده، وظروف الاعتقال ومكانه، وتاريخ النقل إلى الأراضي الإسرائيلية إن وُجد، ومعلومات الاتصال بالأسرة، وأي معلومات متاحة عن مكان الاحتجاز أو الوضع الصحي، نظرًا لأهمية هذه العناصر في تحويل الادعاء العام إلى دليل إجرائي مقبول أمام الهيئات الدولية.

مسؤولية الحكومة السورية في الملف

لم تقتصر تحركات ذوي المعتقلين على الوقفة الاحتجاجية أمام المقر الرئيس للأمم المتحدة في دمشق، بل سبقتها وقفة أخرى أمام وزارة الخارجية والمغتربين السورية، احتجاجًا على الاعتقالات التعسفية التي تمارسها إسرائيل في الجنوب السوري. وطالب المحتجون، في 26 من نيسان الماضي، الدولة السورية بالسعي للإفراج عنهم، ودعوة المجتمع الدولي والأمم المتحدة للتدخل والكشف عن مصير المعتقلين.

وقال رئيس التجمع، حسن سعد الدين، وهو والد معتقل لدى إسرائيل، لعنب بلدي حينها، إن لجنة من وزارة الخارجية السورية التقت الأهالي، وتم عرض مطالبهم المتضمنة التدخل لإنهاء الاعتقالات التعسفية، والإفراج عن المعتقلين وشرح التفاصيل عنهم، مضيفًا أن اللجنة المشكّلة في وزارة الخارجية وعدت بمتابعة أوضاع المعتقلين.

أوضح مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني، أن الحكومة السورية الانتقالية تعد صاحبة الصفة القانونية الأصيلة في ملاحقة هذا الملف، بوصفها الجهة التي تمثل الدولة المعنية أمام الهيئات الدولية. وأشار إلى أن مسؤوليتها القانونية والسياسية تشمل مستويين:

  • المستوى الأول: الالتزامات التعاهدية: من خلال استغلال وجود سوريا في اتفاقية جنيف الرابعة، وفي اتفاقية مناهضة التعذيب مع تحفظات. هذه المعاهدات تلزمها بالمطالبة بالإفراج عن مواطنيها المحتجزين بصورة غير مشروعة. كما أن الفقرة الأولى من المادة الأولى المشتركة لاتفاقيات جنيف تلزم الأطراف بضمان احترام الاتفاقيات، وهو التزام يقتضي الاحتجاج الدبلوماسي والسعي إلى الإنفاذ الدولي.
  • المستوى الثاني: الصفة أمام محكمة العدل الدولية: التي تجعل الدولة السورية الجهة الوحيدة المخوّلة قانونًا باللجوء إلى محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل في هذا الملف، كون الاختصاص أمام المحكمة يقتصر على الدول، الأمر الذي يجعل أي مسار قانوني أممي رفيع المستوى يستلزم تبنيًا حكوميًا رسميًا.

كابوس يؤرق سكان الجنوب

بات ملف الاعتقالات الإسرائيلية في الجنوب السوري كابوسًا يؤرق السكان في ظل غياب أي ردع للعمليات الإسرائيلية. وقد دفع هذا الوضع الأهالي لرفع صوتهم ونقل معاناتهم إلى الجهات المسؤولة المحلية والدولية. ويأمل الأهالي من هذه الخطوة سماع صوتهم وإيصال معاناتهم إلى الجهات القانونية المختصة، بحثًا عن الوصول إلى ذويهم المفقودين والمختفين قسرًا دون أي معلومة تشرح أوضاعهم أو تفسّر ظروف اعتقالهم. وتبقى الوقفات الاحتجاجية لذوي المعتقلين بحاجة إلى خطوات عملية من الحكومة السورية والمنظمات الدولية، سعيًا لإيصال الملف إلى الجهات القانونية المختصة، وأملًا في مساءلة إسرائيل عن جميع انتهاكاتها في الجنوب السوري.

شارك الخبر: