سوريا في قلب التحولات الجيوسياسية: اختبار السيادة الإقليمية وتداعيات التفاهم الأمريكي الإيراني


هذا الخبر بعنوان "سوريا واختبار السيادة الإقليمية" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يدخل الملف السوري مرحلة جيوسياسية بالغة الحساسية، وذلك مع تزايد الحديث عن إمكانية التوصل إلى تفاهم أمريكي – إيراني محتمل. يُتوقع أن يمهد هذا التفاهم لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في منطقة المشرق، التي تمتد من العراق ولبنان وصولاً إلى شرق المتوسط وتركيا و"إسرائيل". وتبرز سوريا، بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي وتداخل حدودها وهشاشة بنيتها الداخلية، بالإضافة إلى سعي الحكم فيها لتثبيت شرعيته واستعادة مقومات الدولة، كإحدى أكثر الساحات تأثراً بهذه التحولات المحتملة.
عملياً، تُقاس الأهمية الحالية لسوريا بمدى قدرتها على التحكم بالتدفقات العابرة لحدودها، إذ تمثل نقطة وصل حيوية بين العراق ولبنان وتركيا والأردن وشرق المتوسط. هذه الأهمية الاستراتيجية الكبيرة تجعلها في الوقت ذاته عرضة لضغوط إقليمية ودولية متداخلة. ومن شأن أي تفاهم أمريكي–إيراني أن ينعكس بشكل مباشر على مجمل التوازنات المحيطة بسوريا، بدءاً من أمن الحدود والانتشار العسكري شرق الفرات، وصولاً إلى حسابات تركيا و"إسرائيل" ومستوى الانخراط العربي في الشأن السوري.
يُعدّ عامل هشاشة الحكم هو العنصر الحاسم في هذه المعادلة المعقدة. فبينما تتمكن الدول المتماسكة من تحويل التفاهمات الكبرى إلى فرص سياسية واقتصادية، تجد الدول الهشة نفسها أمام ضغوط مركبة، حيث تستغل القوى الخارجية ضعف الداخل كمدخل للتأثير. وفي السياق السوري، ترتبط هذه الهشاشة بقدرة السلطة في دمشق على ترسيخ مركز قرارها، وبناء ثقة داخلية، وامتلاك أدوات تفاوض تتجاوز مجرد طلب الاعتراف أو الدعم. وبالتالي، فإن أي تفاهم إقليمي قادم سيشكل اختباراً حقيقياً لقدرة دمشق على التصرف كدولة ناشئة، وليس كسلطة تسعى لحماية مؤقتة.
ستتعامل القوى الإقليمية مع سوريا، في أعقاب أي تفاهم محتمل، كجزء لا يتجزأ من هندسة أمنية أوسع نطاقاً. فواشنطن ستربط الملف السوري بقضايا شرق الفرات، ووجود داعش، والعراق، فضلاً عن ملف العقوبات. أما أنقرة، فستنظر إليه من منظور أمن الحدود، وعودة اللاجئين، ومستقبل "قسد". في حين ستركز "إسرائيل" على منع أي تهديد يتشكل قرب الجولان أو عبر لبنان. وسيهتم الخليج بمسائل إعادة الإعمار، ومكافحة الكبتاغون، والحيلولة دون عودة الفوضى.
يكمن التحدي السيادي الأكبر لدمشق في قدرتها على تحويل هذه الوظيفة الأمنية المفروضة عليها إلى موقع تفاوضي فاعل. وإلا، فإنها ستجد نفسها مجرد منفذ لتنفيذ ترتيبات يضعها الآخرون.
تتراوح السيناريوهات المستقبلية أمام سوريا بين تهدئة واسعة النطاق، أو الدخول في منطقة رمادية طويلة الأمد، أو عودة التصعيد. ففي حال نجاح التفاهم الأمريكي–الإيراني واستمراره، قد تحصل سوريا على هامش أمني واقتصادي، مما يقلل من احتمالات التصعيد ويحسن فرص الانخراط العربي والغربي في دعم استقرارها. بيد أن هذه الفرصة ستظل مشروطة؛ إذ تُقاس شرعية الحكم خارجياً بمدى قدرته على ضبط الأمن أكثر من قدرته على بناء مشروع وطني حقيقي. أما إذا ظل التفاهم هشاً، فستعيش البلاد حالة انتظار مفتوحة، قد تهدأ فيها بعض الجبهات بينما تظل أخرى قابلة للاختبار، مع تزايد الضغوط على دمشق لضبط الحدود ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.
أما فشل التفاهم، فسيعيد سوريا إلى موقع "الساحة الرخوة"، حيث تُستخدم جغرافيتها للضغط والردع وتبادل الرسائل، وتتراجع السياسة لصالح إدارة المخاطر. في المقابل، يتيح أي خفض للتوتر صعود أدوار تركيا والخليج داخل الملف السوري، مما قد يمنح دمشق فرصة لتنويع علاقاتها. لكن هذا الانفتاح قد يتحول إلى قيد جديد إذا ما دخلت دمشق هذه المرحلة من موقع ضعف.
إن الرهان السوري الحقيقي لا يكمن في التفاهم بحد ذاته، بل في قدرة دمشق على تحويل نتائجه إلى مكاسب سيادية. فالتهدئة، وإن كانت فرصة لبناء الدولة، قد تتحول أيضاً إلى قيد يُدرج سوريا ضمن نظام أمني لا تملك شروطه. وبين هذين الاحتمالين، يتحدد مستقبل البلاد بمدى قدرة الحكم على معالجة هشاشته الداخلية، وامتلاك تصور وطني واضح لموقع سوريا ودورها في أمن المشرق وشرق المتوسط.
سياسة
سياسة
سياسة
ثقافة