الهيئة العامة للمعادن الثمينة تفرض ضوابط صارمة على سوق الذهب السوري لضبط العيارات ومكافحة المضاربات


هذا الخبر بعنوان "سوق الذهب.. هل تنهي الضوابط الجديدة فوضى العيارات والمضاربات الإلكترونية؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خضم التقلبات الاقتصادية وتذبذب أسعار الذهب، الذي يُعد وعاءً ادخارياً رئيسياً، اتخذت الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة خطوات حازمة لتشديد الضوابط المنظمة لعمل سوق الذهب. جاء ذلك عبر سلسلة تعاميم تهدف إلى تنظيم عمليات البيع والشراء، وضبط العيارات وأجور الصياغة، والحد من التداول غير المنظم، لا سيما عبر المنصات الإلكترونية. وتأتي هذه الإجراءات في ظل توسع سوق الذهب المستعمل وتزايد المخاوف من الغش والتلاعب بالأسعار والعيارات، مما استدعى فرض قواعد أكثر وضوحاً تتعلق بالفواتير النظامية، ومنع بيع الذهب الأجنبي غير المدموغ، وإلزام المحال بتجهيزات لوجستية وأمنية محددة، في مسعى لإعادة الثقة إلى السوق وحماية مدخرات المواطنين.
وأصدرت الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، في الثاني عشر من الشهر الحالي، تعميماً تضمن مجموعة من الضوابط والتعليمات الناظمة لعمل الصاغة ومحال بيع الذهب في السوق السورية، بهدف حماية حقوق المستهلك وتنظيم عمليات بيع وشراء المصوغات الذهبية وفق المعايير المعتمدة.
وأكدت الهيئة منع بيع الذهب بأسعار تتجاوز التسعيرة اليومية المحددة، أو الشراء بأقل من السعر المعتمد. كما شددت على ضرورة التأكد من عيار أي قطعة ذهبية مستعملة قبل بيعها، وخاصة الأوزان الثقيلة والمسكوكات، مع تحميل الصائغ المسؤولية الكاملة عن عيارات الذهب الموجودة ضمن محله.
تضمن التعميم أيضاً منع بيع المصاغ الذهبي المستعمل على أنه جديد، مع إلزام البائع بتوضيح ذلك في الفاتورة. كما نص على ألا تتجاوز أجور صياغة القطع المستعملة نصف أجور القطع الجديدة من الصنف ذاته، إضافة إلى منع استخدام أقفال بعيارات منخفضة ضمن المشغولات الذهبية، والتشديد على أن يكون القفل من العيار نفسه.
وشددت الهيئة كذلك على ضرورة توضيح وزن الأحجار والزينة المضافة إلى القطع الذهبية ضمن البطاقة التعريفية والفاتورة، ومنعت إصدار أي فاتورة بيع لا تتضمن المواصفات النظامية المعتمدة، بما فيها اسم المحل وعنوانه، ومواصفات القطعة ووزنها، وسعر الغرام، وأجور الصياغة، وتاريخ البيع، واسم الزبون. وطلبت الهيئة من أصحاب المحال عدم نشر أسعار الذهب أو عروض المصاغ الجديد والمستعمل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومنعت بيع المصاغ الذهبي الأجنبي غير الموسوم بالدمغة السورية، معتبرة أن أي محل لا تتوافر فيه المستلزمات اللوجستية الأساسية، كالموازين المختصة والخزن والكاميرات، يعد مخالفاً للتعليمات النافذة، مع التأكيد على ضرورة التقيد بأحكام التعميم والعمل بموجبه أصولاً.
وكانت الهيئة قد أصدرت أيضاً، في وقت سابق، تعميماً يقضي بمنع بيع المصوغات الذهبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وحصر عمليات البيع ضمن المحال المرخصة أصولاً، وذلك في إطار تنظيم مهنة صناعة وتجارة المصوغات الذهبية، وحماية حقوق المواطنين.
وتشكلت الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة في 12 شباط 2025، بهدف تنظيم قطاع الذهب والمعادن الثمينة وتطويره، وتعزيز دوره في الاقتصاد الوطني ضمن إطار مؤسساتي مستقل مالياً وإدارياً، إضافة إلى الإشراف على آلية تسعير الذهب عبر جمعيات الصاغة في المحافظات.
مع بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 من شباط الماضي، شهدت أسعار الذهب تقلبات واضحة في الأسواق العالمية، حيث سجل المعدن النفيس أعلى مستوى له خلال فترة الحرب متجاوزاً 5400 دولار للأونصة، قبل أن يتراجع إلى ما دون 4400 دولار، ليتداول حالياً قرب مستويات 4500 دولار.
ويرى المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر مهند الزنبركجي، أن تعميمات الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة تمثل محاولة لإعادة بناء الثقة داخل سوق الذهب، خاصة أن هذا السوق يعتمد بشكل أساسي على عامل الثقة بين التاجر والمستهلك.
ويقول الزنبركجي لصحيفة “الثورة السورية” إن الفترات التي ترتفع فيها الأسعار بسرعة أو تشهد الأسواق تقلبات نقدية حادة تزداد فيها احتمالات التلاعب سواء في العيارات أو الأجور أو فروقات الأسعار بين محل وآخر. ومع وصول أسعار الذهب إلى مستويات مرتفعة مقارنة بمتوسط الدخل المحلي، أصبحت أي زيادة بسيطة في الأجور أو أي نقص في العيار تشكل خسارة فعلية للمستهلك، لذلك ركز التعميم على توحيد معايير البيع والشراء ومنع البيع فوق التسعيرة الرسمية المحددة يومياً أو الشراء بأقل من السعر المعتمد.
وحول إيجابيات التعاميم بالنسبة لسوق الذهب، يشير الزنبركجي إلى أن قرار الهيئة العامة للمعادن الثمينة يعكس عدة إيجابيات، أولها الحد من الفوضى السعرية التي كانت تظهر أحياناً بين المحال، حيث كان بعض التجار يفرضون أسعاراً أعلى من التسعيرة الرسمية مستفيدين من تقلبات السوق أو ضعف معرفة الزبائن بالتسعيرات اليومية. ويضيف أن وجود ضوابط واضحة للأسعار يمنح السوق قدراً أكبر من الشفافية ويقلل من استغلال المستهلك، كما يساعد المشترين على اتخاذ قراراتهم بثقة أكبر دون الحاجة إلى المقارنة المستمرة بين أسعار المحال.
كما يعزز التعميم حماية المستهلك في سوق الذهب المستعمل، وهو قطاع توسع بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة نتيجة ارتفاع أسعار الذهب الجديد، إذ بات كثير من المواطنين يفضلون شراء القطع المستعملة لتجنب أجور الصياغة المرتفعة، لكن هذا السوق كان يحمل مخاطر تتعلق بعدم وضوح العيارات أو بيع بعض القطع المستعملة على أنها جديدة. لذلك فإن إلزام الصائغ بالتأكد من العيار وتحميله المسؤولية القانونية عن أي خلل يرفع من مستوى الموثوقية ويحد من حالات الغش التي قد يتعرض لها المشترون.
ومن بين المنعكسات الإيجابية للقرار إلزام البائع بتوضيح حالة القطعة في الفاتورة إذا كانت مستعملة، مع تحديد سقف لأجور صياغتها بحيث لا تتجاوز نصف أجور القطع الجديدة من الصنف ذاته. ويعتبر الزنبركجي أن هذه النقطة مهمة من الناحية الاقتصادية لأنها تمنع تضخم الأجور بشكل غير مبرر، وتحمي المستهلك من دفع تكاليف مرتفعة على قطعة سبق استخدامها، كما تخلق نوعاً من التوازن في سوق الذهب بين قيمة المعدن نفسها وقيمة الخدمة أو الصياغة المضافة إليه.
أما القرار المتعلق بمنع استخدام أقفال بعيارات أقل من العيار الأساسي للمشغولات الذهبية، فيعالج إشكالية فنية وتجارية كانت قائمة في السوق. ويوضح الزنبركجي أن بعض الأقفال أو الأجزاء الصغيرة كانت تُصنع أحياناً من ذهب منخفض العيار بهدف خفض التكلفة، في حين تُباع القطعة كاملة على أساس عيار أعلى، ما يؤدي إلى فجوة بين القيمة الفعلية والقيمة المعلنة للمصاغ. لذلك فإن توحيد العيار داخل القطعة يعزز الشفافية ويحفظ حقوق المشتري عند إعادة البيع أو التقييم لاحقاً.
رغم أن تعميم الهيئة العامة للمعادن الثمينة حول الذهب يشكل خطوة إيجابية في ضبط السوق، إلا أن القرار لا يخلو من تحديات وانعكاسات محتملة، خاصة بالنسبة للصاغة وأصحاب المحال الصغيرة. ويقول الزنبركجي إن تشديد الرقابة وتحميل الصائغ مسؤولية كاملة عن جميع القطع الموجودة في المحل قد يرفع من الأعباء التشغيلية والقانونية، خصوصاً في سوق يعتمد بدرجة كبيرة على التداول اليومي السريع للذهب المستعمل. ويشير إلى أن بعض الصاغة قد يضطرون إلى الاستثمار في أجهزة فحص متطورة أو الاستعانة بخبرات فنية إضافية للتأكد من العيارات، ما يرفع من التكاليف التشغيلية في وقت يعاني فيه السوق أساساً من تراجع القوة الشرائية وضعف حركة البيع.
كما أن الالتزام الصارم بالتسعيرة اليومية قد يثير تحفظات لدى بعض التجار، خاصة في ظل التقلبات السريعة في سعر الذهب وسعر الصرف، إذ تتغير الأسعار العالمية أو المحلية خلال ساعات، بينما تبقى التسعيرة الرسمية ثابتة لفترة معينة، ما قد يعرض بعض الصاغة لخسائر أو يدفعهم إلى تقليل هامش التداول تجنباً للمخاطر. وفي تصريح سابق لصحيفة “الثورة السورية”، قال مدير الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة مصعب الأسود، إن الهيئة تتعامل بشكل مهني مع التغيرات السريعة في أسعار الذهب، ما استدعى خلال الفترة الأخيرة إصدار ثلاث إلى أربع نشرات سعرية يومياً، بهدف مواكبة السعر العالمي في ظل التذبذب الكبير الذي تشهده الأسواق. وأضاف الأسود أن الهيئة تعمل على تطوير النشرات السعرية بحيث تتضمن التاريخ والساعة بدقة، بهدف حماية المستهلك، إذ يمكن تحديد السعر المعتمد في لحظة الشراء في حال حدوث أي تلاعب من قبل بعض الصاغة، ومحاسبتهم وفق السعر المحدد في تلك اللحظة، ما يعزز الشفافية والدقة في التعاملات.
كما تشمل السلبيات المحتملة أيضاً، وفق الزنبركجي، أن زيادة القيود الرقابية قد تدفع جزءاً من التداول نحو السوق غير المنظم أو البيع خارج القنوات الرسمية، خاصة إذا شعر بعض التجار أن الالتزام الكامل بالضوابط يقلل من قدرتهم على المنافسة أو يرفع تكاليفهم بشكل كبير. ويشير إلى أن هذه النقطة حساسة، لأن أي توسع في السوق الموازية يقلل من فعالية الرقابة ويخلق فجوة جديدة بين الأسعار الرسمية والأسعار الفعلية. وقد يواجه المستهلك أيضاً انعكاسات غير مباشرة لبعض هذه الإجراءات، إذ يمكن أن يعمد بعض الصاغة إلى رفع أجور الصياغة على القطع الجديدة أو إضافة تكاليف خفية لتعويض النفقات الإضافية المرتبطة بالفحص والتوثيق والالتزام الرقابي، ما يعني أن نجاح القرار في حماية المستهلك يتطلب رقابة فعلية ومستمرة، وليس فقط إصدار تعليمات تنظيمية.
ويؤكد الزنبركجي أنه رغم هذه التحديات، فإن أهمية القرار تبقى مرتبطة بالتوقيت الاقتصادي الذي صدر فيه، إذ يمثل الذهب اليوم أحد أهم أوعية الادخار في سوريا، كما ازداد حجم التداول في السوق بشكل واضح مع تراجع الثقة بالعملة المحلية. وبالتالي فإن أي خطوة تنظم السوق وتحد من الفوضى والغش تعد ضرورية للحفاظ على استقرار هذا القطاع وحماية المدخرات الفردية، كما أن تنظيم سوق الذهب ينعكس بشكل غير مباشر على الاستقرار الاقتصادي العام، إذ أصبح الذهب جزءاً من حركة السيولة والادخار في المجتمع المحلي. وكان الأسود قد اعتبر أن الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة وصلت إلى حالة مستقرة من حيث التسعير في ظل الظروف الحالية، إذ يتم اعتماد تسعيرة موحدة في جميع أنحاء سوريا، ولا يُسمح بأي تسعير مخالف للتسعيرة الرسمية الصادرة عن الهيئة.
أكد الأسود، أن الرقابة المشددة ضمنت مطابقة الذهب للمواصفات، وأن ما يُتداول حول انتشار الذهب المغشوش في الأسواق السورية يعود بمعظمه إلى فترة ما قبل التحرير في ظل النظام المخلوع. وأوضح الأسود، في تصريح لوكالة “سانا”، الأحد الماضي، أنه خلال فترة ما قبل التحرير ارتفع مستوى الفساد وضعفت الرقابة، ما أتاح لبعض ضعاف النفوس اللجوء إلى التزوير والرشوة وإدخال مشغولات مخالفة للمواصفات القياسية السورية إلى الأسواق. وأضاف أن الهيئة باشرت بعد التحرير بالإشراف المباشر على جمعيات الصاغة، وتم تغيير القائمين عليها وتعيين كوادر جديدة موثوقة، إضافة إلى استقدام أجهزة معايرة حديثة وتشديد الرقابة، بما يضمن عدم إنتاج أي غرام ذهب غير مطابق للمواصفات القياسية السورية.
وأشار إلى أن الرقابة التي تنفذها الهيئة تتم على شقين؛ الأول يتعلق بضمان مطابقة الذهب الذي تشرف عليه جمعيات الصاغة ويُوسم بالعيارات النظامية، والثاني مراقبة الذهب المتداول في الأسواق عبر جولات دورية وأخذ عينات من مختلف المحافظات، للتأكد من جودة المشغولات الذهبية سواء كانت قديمة أم حديثة. وبيّن الأسود أن الهيئة وجهت إنذارات واستدعت عدداً من الصاغة وأصحاب الورشات والمحال لفحص ما لديهم من مشغولات ذهبية والتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية السورية، مؤكداً أن الرقابة الحالية مشددة، وأن معظم الذهب المتداول في الأسواق مطابق للمواصفات، بينما قد تظهر بعض الحالات المخالفة ضمن المدخرات القديمة عند البيع أو الشراء من خلال أجهزة الفحص الحديثة. كما لفت إلى أن الهيئة تعمل حالياً على تعزيز الرقابة عبر استقدام أجهزة معايرة محمولة من أفضل الماركات العالمية، متوقعاً وصولها خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، بما يتيح إجراء فحوص مباشرة داخل المحال وأثناء الجولات الرقابية على كميات كبيرة من القطع الذهبية.
أوضح الأسود أن أي حالة مخالفة يتم التعامل معها بحسب طبيعتها؛ ففي المخالفات البسيطة يتم إتلاف القطع المخالفة، أما في حالات التزوير الواضح فيتم تتبع المصدر ومحاسبة المنتج والموزع والبائع وفق الأنظمة النافذة. وأكد أن الهيئة تعتبر التلاعب بعيارات الذهب “خطاً أحمر”، مشيراً إلى أن جميع المشغولات التي يتم ختمها داخل جمعيات الصاغة حالياً مطابقة للمواصفات القياسية السورية، وأن الرقابة تشمل أيضاً الأسواق لمنع أي تلاعب قد يحدث بعد خروج القطع المختومة من الجمعيات.
وفيما يتعلق بحقوق المواطنين، لفت الأسود إلى أن المواطن الذي يشتري الذهب بفاتورة نظامية واضحة ومختومة من محل مرخص لا يتحمل أي خسارة ناتجة عن اختلاف العيار أو مخالفته للمواصفات، بل يتحملها الصائغ البائع، مؤكداً أهمية حصول المواطن على فاتورة نظامية تتضمن الوزن والتاريخ والختم الرسمي لضمان حقوقه. وأضاف أن الصائغ يستلم الذهب المخالف من المواطن ويعيد قيمته بالسعر الحقيقي، طالما توجد فاتورة أو وثيقة تثبت أن القطعة اشتريت من المحل نفسه، مبيناً أن الصائغ بدوره يطالب الورشة أو الجهة التي أنتجت الذهب المغشوش بتحمل المسؤولية وإعادة حقوقه.
أشار الأسود إلى أن بعض الحقوق قد تضيع في حالات محددة، أبرزها عدم وجود فاتورة نظامية تثبت مصدر الذهب، إضافة إلى وجود بعض الموزعين أو أصحاب الورش الذين مارسوا الغش والتزوير ثم غادروا البلاد أو اختفوا نتيجة تشديد الرقابة، مؤكداً أن هذه الحالات تبقى محدودة، وأن كل من يثبت تورطه سيجد نفسه أمام القانون. وأوضح أن بعض الورش التي امتهنت الغش في الإنتاج أُغلقت أو غادر أصحابها البلاد، ما يؤدي أحياناً إلى صعوبة استعادة بعض الحقوق بسبب غياب المسؤولين المباشرين عنها، إلا أن الهيئة مستمرة بمتابعة هذه الملفات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد