الذكاء الاصطناعي وصراع الروايات السياسية: كيف تتغير إجابات الروبوتات حول الصين؟


هذا الخبر بعنوان "حين تتباين الإجابات: الذكاء الاصطناعي وصراع الروايات السياسية.. الصين نموذجاً" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد روبوتات الذكاء الاصطناعي تقدم إجابات موحدة للجميع. فالمحادثة الواحدة، التي قد تدور حول موضوع مثل الصين، يمكن أن تنتج روايتين مختلفتين تماماً، وذلك بناءً على اللغة المستخدمة أو الدولة التي ينتمي إليها المستخدم. مع تزايد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في مجالات البحث والتحليل، بدأت تظهر تساؤلات جدية حول مدى حياد هذه النماذج، وما إذا كانت تعكس الحقائق بموضوعية أم تتأثر بالبيئة السياسية والإعلامية التي صُممت ضمنها.
في هذا السياق، يدور نقاش واسع اليوم حول كيفية استجابة روبوتات الذكاء الاصطناعي للأسئلة المتعلقة بالصين، خاصة بعد أن لاحظ قراء ومستخدمون اختلافات واضحة في الردود بحسب اللغة والموقع الجغرافي لاستخدام هذه النماذج. فالإجابات التي تقدمها روبوتات الدردشة قد تتباين بشكل ملحوظ بين الصين وخارجها، سواء كان ذلك بسبب البيانات التي تدربت عليها النماذج أو نتيجة للقيود والتعليمات التي تُفرض عليها لاحقاً.
أوضحت الباحثة مولي روبرتس، المشاركة في دراسة نشرتها مجلة Nature حول تحيزات نماذج الذكاء الاصطناعي، أن الاختلافات في الإجابات لا تقتصر على بيانات التدريب فحسب، بل تمتد لتشمل ما يُعرف بمرحلة "ما بعد التدريب". في هذه المرحلة، تُعطى النماذج تعليمات محددة حول ما يمكن قوله أو تجنبه، بما يتوافق مع القوانين أو السياسات المحلية. ووفقاً لروبرتس، فإن الذكاء الاصطناعي لا يعكس فقط المعلومات التي اكتسبها، بل أيضاً ما تطلبه السلطات أو الشركات المطوّرة من النموذج أن يخفيه أو يخفف من حدته.
على خط موازٍ، يمكن للمستخدم نفسه أن يؤثر في إجابات الروبوت. فقد روى المستثمر الأميركي تشاس غايل تجربته عندما سأل أوبن أيه آي عبر شات جي بي تي عما إذا كانت الصين ديمقراطية مثل الدول الغربية. في البداية، جاءت الإجابة على شكل مقال دقيق قارن فيه سياسياً، وذكر البرنامج أن منظمة فريدوم هاوس تصنف الصين دولة "غير حرة"، لكن النظام يوفر "مساءلة عن الأداء" و"رضا شعبياً مرتفعاً".
لكن عندما اعترض تشاس، معرباً عن اعتقاده بأن البرنامج تأثر بالدعاية الصينية، اعتذر شات جي بي تي في غضون ثوانٍ. وعندما طلب منه تشاس "أن يبقى موضوعياً تماماً"، أجاب البرنامج: "كان ينبغي أن أكون أكثر وضوحاً منذ البداية. قد تقدم الصين نموذجاً بديلاً قوياً لقدرة الدولة، لكنها لا تقدم بديلاً ديمقراطياً".
يأتي هذا النقاش في ظل تنامي المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، وفي وقت تستعد فيه شركات مثل أنثروبيك وأوبن أيه آي لخطوات توسع وتمويل جديدة، بينما تسعى الصين إلى دعم شركاتها مثل ديبسيك لتحقيق الاكتفاء التكنولوجي.
في حالة أخرى، ذكرها التقرير أيضاً، قام المستخدم جيف، من كاليفورنيا، بترجمة مقال رأي بعنوان "المستقبل ليس صينياً"، ثم أرسله إلى مجموعة على تطبيق WeChat، تضم زملاءه القدامى في المدرسة الثانوية في الصين. جاء الرد سريعاً وحاداً؛ فقد طلب أحد أصدقائه، بحسب رواية جيف، من نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني ديبسيك أن يكتب رداً مضاداً للمقال بنفس أسلوبه، فاستجاب النظام بالفعل، وأنتج مقالاً بعنوان "المستقبل لا يعود لأميركا".
ضمن الرد، تساءل ديبسيك: هل يمكن تسمية نجم سينمائي أميركي لا يعتمد نجاح أفلامه على السوق الصينية؟ وخلص المقال إلى القول: "بصراحة، لا يمكنك تسمية واحد".
لكن جيف قام بخطوة مختلفة لاحقاً. فمن مكتبه في كاليفورنيا، دخل إلى النموذج نفسه ديبسيك الذي استخدمه صديقه في الصين، وأدخل النص نفسه وطلب من النموذج التحقق من صحة الادعاءات الواردة فيه. هذه المرة، قدم النموذج تفنيداً حاداً، إذ أشار إلى انتقائية في استخدام البيانات، ومغالطات منطقية، والتقليل من شأن الخصم. وذكر أن فيلم Top Gun: Maverick حقق نحو 1.5 مليار دولار عالمياً في عام 2022 من دون أن يُعرض في الصين. وختم النموذج حكمه بأن الرد السابق كان مفعماً بالعاطفة، ويستخدم البيانات بشكل انتقائي، ويحتوي على أخطاء واقعية ومغالطات منطقية متعددة.
من الواضح أن نماذج الذكاء الاصطناعي تحولت إلى ساحة غير مباشرة للتنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، إذ لم تعد هذه الأدوات مجرد أنظمة تقنية للإجابة عن الأسئلة، بل أصبحت تعكس، بدرجات مختلفة، السياقات السياسية والثقافية التي تُطوَّر داخلها. وتُظهر الفروقات في إجابات النماذج حول الموضوعات الحساسة أن "المعلومة" لم تعد ثابتة أو محايدة بالكامل، بل قد تتغير، ما يثير تساؤلات أعمق حول مفهوم الحقيقة في عصر الذكاء الاصطناعي.
هذا التباين ينعكس مباشرة على ثقة المستخدمين، إذ يدفع البعض إلى التعامل مع هذه الأدوات كمصادر معرفية متغيرة تحتاج إلى التحقق وليس كمرجع نهائي، خاصة عندما تتداخل فيها السرديات السياسية. في المحصلة، فإن اختلاف إجابات الذكاء الاصطناعي لا يعكس فقط تنوعاً تقنياً، بل يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة الحقيقة نفسها في العصر الرقمي، وحول الدور المتزايد لوعي المستخدم في تفسير المعرفة بدل تلقيها بشكل مباشر، لأن وعي المستخدمين هو الأساس.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة