قضية رانيا العباسي: دعوة لعدالة سورية حقيقية تتجاوز ضجيج الترند والانتقام


هذا الخبر بعنوان "أكثر من جريمة.. أقل من عدالة" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم محمد محمود هرشو: إن قضية رانيا العباسي وأطفالها الستة ليست مجرد خبر عابر أو تفصيل جديد يضاف إلى أرشيف الألم السوري الطويل. فإخفاء أم مع أطفالها، ثم بقاء مصيرهم مجهولاً لسنوات، قبل أن تتكشف تفاصيل مقتلهم بهذه الوحشية، يمثل جريمة مروعة بكل المقاييس. هذه الجريمة وحدها كافية لتذكير السوريين بحجم الخوف والإذلال والسحق الذي أحدثه نظام الأسد داخل منظومته الأمنية.
لكن السؤال الأكثر خطورة اليوم هو: كيف نتعامل مع هذا الألم؟ هل نحوله إلى نقطة انطلاق لمسار عدالة حقيقي، أم نتركه يتحول إلى "ترند" جديد يثير صرخات الجميع لأيام معدودة، ثم ينصرفون إلى ضجة أخرى، تاركين الضحايا في الظلام مرة أخرى؟ ما يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي يثير القلق بقدر ما يثير الحزن. فبدلاً من أن تكون هذه الجريمة دافعاً للمطالبة بتحقيق شفاف، وحفظ الأدلة، وكشف مصير بقية المفقودين، وبناء ملفات قانونية تطال كل المتورطين، يظهر قطيع من الغاضبين لا يبحث عن العدالة بقدر ما يبحث عن الانتقام.
تتصاعد الدعوات للعقاب الجماعي والثأر من عائلة المجرم أو بيئته، وتعود اللغة الطائفية لتظهر كأنها الحل الوحيد أمام بلد أنهكته الطائفية والسلاح والدم. وهنا بالتحديد يجب أن نتوقف. العدالة لا تعني التقليل من هول الجريمة، ولا المطالبة من أهل الضحايا بالصمت أو الغفران. العدالة تعني منع تحويل الجريمة إلى ذريعة لجريمة أخرى. يجب أن نقول بوضوح إن أمجد يوسف، وكل من شارك أو أمر أو غطى أو تستر، يجب أن يحاسبوا بأشد ما يسمح به القانون، ولكن دون الانزلاق إلى منطق نظام الأسد نفسه باعتماد العقاب الجماعي. هذا هو الفارق الجوهري بين العدالة والثأر.
لقد ارتكب نظام الأسد جرائم واسعة وموثقة تشمل: الاعتقال التعسفي، الإخفاء القسري، التعذيب، الإعدامات، والحصار والقصف. هذه ليست مبالغات أو شعارات، بل حقائق يعرفها السوريون جيداً وتدركها منظمات حقوقية دولية. لذلك، من العبث أن يتعامل بعض الجمهور مع كل جريمة جديدة كأنها اكتشاف غير مسبوق. المشكلة ليست في الصدمة الإنسانية، فهي مفهومة ومشروعة، بل في "ذاكرة ترندية" تمحو ما قبلها مع كل ضجة جديدة.
بالأمس كان الناس يتحدثون عن فيضانات الرقة ودير الزور، وعن غياب الإدارة والاستجابة، وعن خسائر الأهالي ومواسمهم وبيوتهم. وقبلها عن المختطفات و"بيت الأخوات". واليوم اختفى كل ذلك تقريباً تحت موجة جديدة. ليست المشكلة أن قضية رانيا العباسي طغت على غيرها، فهي تستحق أن تكون قضية رأي عام. المشكلة أن السلطة ووسائل التواصل الاجتماعي معاً يجيدان تحويل الألم إلى موجات متقطعة: نغضب هنا، ننسى هناك، ثم نمضي إلى العاصفة التالية. في هذا الفراغ، تضيع الأسئلة الأساسية: أين خطة العدالة الانتقالية؟ أين آلية كشف مصير المفقودين؟ كيف يُدار أرشيف الأجهزة الأمنية؟ من يضمن عدم العبث بالأدلة أو استخدامها انتقائياً؟ ولماذا لا يوجد مسار واضح يطمئن السوريين أن الجرائم كلها، لا الجريمة التي تصبح ترنداً فقط، ستجد طريقها إلى المحاسبة؟
إن جريمة رانيا العباسي وأطفالها يجب أن تكون باباً لا خاتمة. باباً لمحاسبة مجرمي التضامن، ومجرمي الأفرع، ومجرمي السجون، وكل من تورط في قتل السوريين أو إخفائهم أو تعذيبهم. كما يجب أن تكون باباً لمحاسبة أي انتهاكات جديدة، أياً كان مرتكبوها، لأن العدالة التي تبدأ من الضحية وتنتهي عند هوية الجاني ليست عدالة، بل انتقام مؤجل. سوريا لا تحتاج إلى موجة غضب جديدة فقط، بل تحتاج إلى ذاكرة لا تنطفئ مع تغير الترند، وإلى قانون لا ينتقي ضحاياه، وإلى مسار واضح يمنع تكرار الجريمة بدل إعادة إنتاجها بلغة مختلفة. أما أن نحول كل وجع إلى وقود للكراهية، فذلك لا ينصف رانيا العباسي ولا أطفالها، بل يدفنهم مرة أخرى في بلد ما زال يتعلم بصعوبة كيف يخرج من حلقة الدم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة