ترامب ونتنياهو: صراخ وتراجع أم إدارة مشتركة للحرب؟ سردية "أكسيوس" تكشف أبعاد اللعبة


هذا الخبر بعنوان "ترامب يصرخ ونتنياهو يتراجع… و”أكسيوس” تكتب سردية الحرب" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كان يُفترض أن تُحدث الضربة الموجهة إلى إيران، في صباح 28 شباط/فبراير الماضي، صدمة تفرض تنازلات إيرانية سريعة. هكذا أوحى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للرئيس الأميركي دونالد ترامب حينها. ورغم احتمال إلحاق أميركا وإسرائيل أضراراً كبيرة بإيران، إلا أن سلوكها لم يتغير. هذا ما تؤكده إسرائيل مراراً، في سعيها الدائم لجر الولايات المتحدة إلى ساحة الصراع بدلاً من مائدة المفاوضات.
في استطلاع نشره مشروع سياسات IMEU في 19 آذار/مارس الماضي، أفاد 56% من المستفتين الأميركيين بأن الحرب ضد إيران "تفيد إسرائيل أكثر مما تفيد الولايات المتحدة". هذا لا يعني اتهام إسرائيل بتوريط أميركا، بل يعكس اعتقاداً بأن الحرب تخدم مصلحة إسرائيل أكثر من مصلحة بلادهم. كما أظهر الاستطلاع نفسه أن 53% يعارضون الغارات الأميركية على إيران، "لأنها لا تخدم مصلحة بلادهم".
في تكرار لافت، نسبت "نيويورك تايمز" في 23 أيار/مايو الماضي إلى مصادر أمنية إسرائيلية قولها إن إدارة ترامب "أقصت إسرائيل تماماً عن المفاوضات الجارية مع إيران"، مؤكدةً أن تل أبيب لم تشارك "إطلاقاً" في المحادثات التي أفضت إلى وقف إطلاق النار بين أميركا وإيران. ووصل الإقصاء إلى حدّ أن إسرائيل علمت بالمفاوضات عبر اتصالات دبلوماسية مع قادة في المنطقة.
على هامش هذه الأنباء، يقدم موقع "أكسيوس"، الموصوف بأنه "مقرب من دوائر الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية"، سردية أميركية بنكهة إسرائيلية على لسان الصحافي باراك رافيد، تتجدد في سياق بات واضحاً. ففي 21 أيار/مايو، كتب رافيد أن ترامب صرخ بوجه نتنياهو، وأبلغه أن الحرب مع إيران "انتهت"، وأنه ماضٍ في صفقة مع طهران، "سواء أحببت ذلك أم كرهته". الرسالة كانت واضحة: ترامب يقاوم ضغط نتنياهو لاستئناف العمليات العسكرية.
المثير أن هذه لم تكن المرة الأولى التي ينشر فيها رافيد هذا الكلام، بل هي الخامسة أو السادسة. فقد تكرر السيناريو نفسه خلال مفاوضات غزة، ثم في أثناء مفاوضات لبنان قبل التوصل إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية بعد حرب 12 يوماً مع إيران، وعشية الحرب الأميركية – الإسرائيلية الأخيرة على إيران. فقبل أسبوع تقريباً من بدء الضربات في 28 فبراير، نشر رافيد في "أكسيوس" رواية مشابهة: ترامب الذي يريد السلام غاضب من نتنياهو الذي يريد الحرب. وفجأة، بدأت الغارات… وقُتل علي خامنئي.
وفقاً لـ "فانيتي فير"، رافيد صحافي أميركي – إسرائيلي خدم في الوحدة 8200 بالاستخبارات السيبرانية والتنصت الإلكتروني في إسرائيل، وهي الوحدة التي تقابلها وكالة الأمن القومي الأميركية. وهذا يعني أنه عميل استخباراتي متمرّس. لذا، لا تُقرأ تسريباته الحساسة بصفتها مجرد أخبار. وفي تتبع تسلسلي، تظهر قصة تنافر ترامب – نتنياهو كجسّ نبض عالمي لقرار عسكري ربما اتُّخذ فعلياً، بانتظار ساعة الصفر. وحين يسرّب رافيد روايته المتكررة، يتراجع منسوب الخوف عالمياً، وتهدأ الأسواق المالية، فترتفع الأسهم ويتراجع النفط، ويشتري ابن ترامب أسهماً يعلم أنها سترتفع عند بدء الجولة العسكرية الجديدة. والمثير أن أحداً لا يتذكر أن الحشد الأميركي ما زال حاضراً في مياه الخليج، وأن ترامب نفسه لا ينفك يؤكد أن قواته جاهزة "لهجوم واسع في أيّ لحظة". وهذا ليس كلام سلام.
ثم جاءت التسريبات الأخيرة، في الأول من حزيران/يونيو الجاري، لتعيد إنتاج المسرحية نفسها بديكور لبناني هذه المرة: نشر رافيد نفسه في "أكسيوس" تسريباً لمكالمة "الغضب" التي قيل إن الرئيس الأميركي صرخ خلالها بوجه رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووجه إليه كلاماً نابياً، على خلفية التهديد الإسرائيلي بتوسيع الضربات على بيروت والضاحية الجنوبية. وبحسب الرواية نفسها، كان ترامب يريد وقف الانزلاق إلى مواجهة أوسع في لبنان، لأن الضربات الإسرائيلية كانت تهدد مسار باكستان التفاوضي، وتحرج صورة ترامب "صانع الصفقة". لكن التوقيت ليس تفصيلاً: لم يأتِ التسريب بعد أزمة عابرة، بل بعد تهديد إسرائيلي مباشر لبيروت والضاحية الجنوبية، مستنداً إلى تصريح إسرائيلي رسمي: "حصلنا على الضوء الأخضر الأميركي لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان لتطال ضاحية بيروت الجنوبية". عاشت بيروت ساعة مرعبة كما لو أنها مربوطة بساعة توقيت. وفجأة، قفز ترامب إلى المشهد: هاج وماج ووبّخ نتنياهو، فتراجعت إسرائيل… أو هكذا يُراد للرأي العام أن يصدّق.
هذه هي المسرحية في أشد صورها وضوحاً: يؤدي نتنياهو دور المتطرف الذي لا يفهم إلا لغة النار، ويؤدي ترامب دور المخلّص الذي يضبط الوحش الإسرائيلي عندما يتجاوز الحدود الأميركية. لكن النتيجة السياسية واحدة: يبقى لبنان تحت النار ما دام قرار إسرائيل الحربي محمياً بـ "ضوء أخضر" أميركي لحقها في الدفاع عن نفسها، أي لحقها في اصطياد قيادات "حزب الله" أينما حاولوا الاختباء، ولو في الضاحية وبيروت المحايدتين اسمياً من القصف "العشوائي" لا أكثر. الغضب الإسرائيلي الداخلي من تبعية نتنياهو لـ "سيده ترامب" يخدم السردية أكثر مما يفضحها، إذ يمنحها سمة الواقعية: خلاف فإهانة فتوتر… فامتثال إسرائيلي مجروح. لكن جوهر العلاقة لا يتغير. إسرائيل تقاتل ضمن هامش واسع تمنحه لها أميركا، وأميركا تتدخل حين يصبح استمرار النار مضراً بصفقتها الكبرى، لا حين يصبح مضراً بلبنان أو بالمدنيين أو بالقانون الدولي. فواشنطن ليست خارج دائرة القرار: إنها تدير لحظة التراجع كما أدارت لحظة التصعيد. وهكذا، لا تكشف تسريبات رافيد عن قطيعة بين ترامب ونتنياهو، بل عن آلية إدارة مشتركة للحرب. مرة يحتاجان إلى صورة التماهي الكامل، فيظهران حليفين في مواجهة إيران وحزب الله، ومرة يحتاجان إلى صورة الخلاف، فيخرج التسريب: نتنياهو متهورٌ وترامب غاضبٌ يمنع الكارثة. أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة