النفوذ الروسي في سوريا ما بعد 2024: إمداد "حميميم" يثير تساؤلات حول استراتيجية موسكو الجديدة


هذا الخبر بعنوان "روسيا تعيد إمداد “حميميم”.. تثبيت نفوذ أم اختبار نيّات؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد التحركات الروسية في سوريا بعد نهاية عام 2024 تُقرأ باعتبارها استمرارًا للمشهد الذي ساد خلال سنوات الحرب فقط، بل باتت جزءًا من مرحلة جديدة تعيد فيها موسكو ترتيب حضورها وعلاقتها بالسلطات السورية الجديدة. فمع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، دخل الوجود الروسي مرحلة مختلفة، إذ انتقلت موسكو من انتشار عسكري واسع شمل عشرات المواقع والقواعد إلى تركيز وجودها في أهم نقاطها الاستراتيجية على الساحل، وعلى رأسها قاعدة “حميميم” الجوية وقاعدة “طرطوس” البحرية.
وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”، في تقرير نشرته في 2 من حزيران الحالي، أن سفينة الشحن الروسية “سبارتا” نفذت عملية إعادة إمداد لقاعدة “حميميم” الجوية في سوريا، في تحرك اعتُبر مؤشرًا على تمسك موسكو بوجودها العسكري في سوريا. وفي هذا السياق، أعادت العملية فتح النقاش حول مستقبل الدور الروسي، وما إذا كانت موسكو تحاول الحفاظ على نفوذها السابق، أم أنها تعمل على إعادة صياغة وجودها وفق التوازنات الجديدة.
منذ تدخلها العسكري المباشر في سوريا عام 2015، بنت موسكو شبكة واسعة من القواعد والنقاط العسكرية، جعلت من الأراضي السورية مركزًا أساسيًا لتحركاتها في الشرق الأوسط والبحر المتوسط. وكانت قاعدتا “حميميم” و”طرطوس” تمثلان حجر الأساس لهذا الحضور، حيث وفرتا لروسيا قدرة على دعم عملياتها العسكرية واللوجستية، ليس فقط داخل سوريا، بل أيضًا ضمن مناطق نفوذها الأوسع. لكن التحولات التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024 دفعت إلى تغيير شكل الانتشار الروسي، إذ تراجعت خريطة وجودها العسكري من عشرات المواقع إلى تمركز أكثر محدودية على الساحل السوري. ورغم هذا التراجع، حافظت موسكو على قنوات اتصال مع دمشق، في محاولة لإعادة تعريف دورها بما يتناسب مع المرحلة الجديدة، بين الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية وتجنب فقدان موطئ قدمها في المنطقة.
رغم تغير المشهد السياسي في سوريا، فإن استمرار عمليات الإمداد للمنشآت العسكرية الروسية يشير، بحسب الخبراء والمهتمين بالشأن السياسي، إلى أن موسكو لا تتعامل مع وجودها في سوريا كمرحلة انتهت بانتهاء النظام السابق، بل باعتباره ورقة استراتيجية يجب الحفاظ عليها. وبحسب تقرير صحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن مسؤولين أمريكيين قالوا إن السفينة كانت تحمل معدات مخصصة للقاعدة الجوية الروسية في “حميميم” بريف اللاذقية، مشيرين إلى أن هذه العملية تمثل أول مهمة إعادة إمداد معروفة للمنشآت العسكرية الروسية في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
وهنا، يرى الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، أن موسكو ومن خلال عملية إمداد قاعدة “حميميم”، يبدو أنها تسعى إلى تثبيت موطئ قدمها في سوريا، خصوصًا في مرحلة ما بعد حليفها السابق، فهي تريد أن تقول إنها ما زالت موجودة وقادرة على الحفاظ على حضورها. العملية تحمل جانبًا رمزيًا، لكنها في الوقت نفسه تأتي ضمن مسار تفاوضي بين روسيا والإدارة السورية لترتيب شكل وجودها خلال المرحلة المقبلة، حيث يحاول كل طرف تحسين شروطه والحصول على أكبر قدر من المكاسب، بحسب ما قاله العبد الله في حديث إلى عنب بلدي.
مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز “الدراسات العربية الأوراسية”، ديمتري بريجع، يعتبر أن إمداد قاعدة “حميميم” لا يُعد مجرد عملية لوجستية عسكرية، بل يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن موسكو لم تغادر سوريا بعد سقوط النظام السابق، وأنها تسعى إلى اختبار قواعد العلاقة مع الإدارة السورية الجديدة. ويتعلق المشهد بانتقال روسي من نفوذ ارتبط ببشار الأسد إلى محاولة بناء نفوذ جديد قابل للتفاوض مع سوريا الجديدة، بحسب ما قاله بريجع لعنب بلدي. أما سياسيًا فتعكس إعادة الإمداد تمسك روسيا بوجودها في سوريا، بحسب بريجع، إذ تمثل قاعدة “حميميم” نقطة ارتكاز استراتيجية في شرق المتوسط، وممرًا لوجستيًا نحو إفريقيا وورقة تفاوض إقليمية ودولية. كما تؤكد موسكو أنها لم تعد تربط شرعية وجودها بدعم الأسد، بل تحاول تقديم نفسها شريكًا قادرًا على توفير أوراق اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية لسوريا الجديدة.
إمداد قاعدة “حميميم” يحمل رسالة سياسية، مفادها أن موسكو لم تغادر سوريا بعد سقوط الأسد، وتسعى إلى اختبار قواعد العلاقة مع الإدارة السورية الجديدة.
ديمتري بريجع مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز “الدراسات العربية الأوراسية”
لم تقتصر عملية نقل المعدات الروسية على الجانب اللوجستي، إذ رافقتها إجراءات أمنية واضحة، من بينها مرافقة سفن حربية روسية للسفينة التجارية، إضافة إلى تحركات بحرية مرتبطة بحماية خط الإمداد. هذا الأسلوب، وفق خبراء، يعكس أهمية العملية بالنسبة لموسكو، ليس فقط لضمان وصول المعدات، بل أيضًا لإظهار قدرتها على حماية مصالحها في منطقة تشهد تنافسًا دوليًا متزايدًا. وفي هذا السياق قال الدكتور سمير العبد الله، إن مرافقة سفن حربية للسفينة التجارية تشير إلى أن روسيا كانت حريصة على حماية عملية الإمداد من أي تعطيل محتمل، كما أنها أرادت اختبار حدود الاعتراض الأمريكي والغربي. كذلك تحمل هذه الخطوة رسالة بأن موسكو ما زالت تمتلك حضورًا وقدرة على الحركة في البحر المتوسط، وفق العبد الله.
وبحسب مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز “الدراسات العربية الأوراسية”، ديمتري بريجع، فإن الإجراءات الأمنية التي رافقت السفينة، تشير إلى أن العملية ذات طابع استراتيجي. وتكشف هذه الإجراءات عن ثلاث أولويات روسية هي: حماية خط الإمداد إلى سوريا، ومنع ظهور أي مؤشرات على تراجع النفوذ الروسي، وتعزيز الثقة داخل المؤسسة العسكرية بأن قاعدة “حميميم” لا تزال موقعًا دائمًا وليست وجودًا مؤقتًا، وفق بريجع.
على الرغم من ارتباط السفينة الروسية بعقوبات أمريكية، فإن واشنطن لم تُظهر تصعيدًا مباشرًا تجاه العملية، وهو ما فتح باب التساؤلات حول طبيعة التنافس الأمريكي- الروسي في سوريا خلال المرحلة الجديدة. وتبدو الولايات المتحدة أكثر تركيزًا على إدارة الواقع السوري ومنع عودة الفوضى الأمنية، بينما تحاول روسيا الحفاظ على موطئ قدمها ومصالحها الاستراتيجية. يرى ديمتري بريجع، أن غياب القلق العلني لا يعني قبولًا كاملًا بالدور الروسي، بل يعكس مقاربة براغماتية تقوم على التعامل مع الأمر الواقع ما دام الوجود الروسي لا يهدد المصالح الأمريكية المباشرة أو مصالح الحلفاء. وقال إن التنافس الأمريكي- الروسي في سوريا أصبح أقل حدة مما كان عليه خلال سنوات الحرب، حيث تركز موسكو على الحفاظ على قواعدها ونفوذها، بينما تركز واشنطن على الاستقرار وحماية حلفائها.
يوافقه الرأي الدكتور سمير العبد الله، معتبرًا أن واشنطن تركز على الاستقرار والتعاون الأمني ومنع عودة تنظيم “الدولة الإسلامية”، بينما تسعى موسكو للاحتفاظ بعقدة لوجستية مهمة في المتوسط، ومع ذلك تبقى نقاط الخلاف قائمة، خاصة في ملفات العقوبات وإعادة الإعمار وشكل الشراكات المستقبلية.
تركز واشنطن على الاستقرار والتعاون الأمني ومنع عودة تنظيم “الدولة الإسلامية”، بينما تسعى موسكو للاحتفاظ بعقدة لوجستية مهمة في المتوسط.
الدكتور سمير العبد الله باحث أول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”
يبقى مستقبل القواعد الروسية في سوريا أحد الملفات الحساسة في المرحلة المقبلة، إذ يرتبط مباشرة بقدرة الدولة السورية على إدارة علاقاتها الخارجية وتحقيق توازن بين المصالح الدولية والحفاظ على استقلالية القرار الوطني. وفي ظل استمرار التواصل بين دمشق وموسكو، خاصة مع زيارة الرئيس السوري، أحمد الشرع، مرتين إلى روسيا، فإن طريقة إدارة هذا الملف ستكون عاملًا أساسيًا في تحديد طبيعة العلاقات السورية- الدولية خلال السنوات المقبلة.
الباحث الدكتور سمير العبد الله، يعتبر أن استمرار القواعد الروسية قد يقيّد استقلال القرار السوري إذا بقي ضمن ترتيبات غير واضحة أو اتفاقات غير شفافة، لأنه يمنح موسكو نفوذًا على ملفات الدفاع والتموضع الدولي. أما صمت الحكومة السورية فقد يكون جزءًا من تفاوض معتمد، لتجنب خسارة الفوائد التي يمكن أن تقدمها العلاقة مع روسيا، وفي الوقت نفسه عدم إغلاق باب الانفتاح على القوى الغربية والخليجية.
بدوره، أشار ديمتري بريجع إلى أن تأثير استمرار القواعد الروسية على استقلال القرار السوري يبقى مرتبطًا بطبيعة التفاهمات المستقبلية، فاليوم تواجه سوريا الجديدة اختبارًا يتمثل في كيفية التعامل مع الاتفاقيات الموروثة من مرحلة الأسد، وما إذا كانت ستعيد صياغتها ضمن سياسة خارجية متوازنة. وقد يعكس صمت دمشق الحالي نهجًا تفاوضيًا يهدف إلى تحقيق مكاسب واضحة قبل إعلان المواقف النهائية. وتبقى النقطة الجوهرية أن سوريا الجديدة لا ينبغي أن تنتقل من تبعية قديمة إلى تبعية جديدة، بل أن تحول علاقتها مع روسيا من نفوذ ووصاية إلى علاقة دولة بدولة، ضمن إطار سيادة وطنية مستقلة ومؤسسات قوية، بحسب بريجع.
سياسة
سوريا محلي
اقتصاد
سوريا محلي