عبد القادر المنلا: الفن معرفة ومتعة.. رحلة أكاديمية وفنية تعيد بناء الوعي الإنساني


هذا الخبر بعنوان "عبد القادر المنلا.. الفن معرفة تكشف الحقيقة وتعيد بناء الإنسان" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجسد تجربة الفنان والأكاديمي عبد القادر المنلا كمسار فني وفكري متكامل، يمتد بين خشبة المسرح وقاعات التدريس ومساحات الكتابة النقدية. يرى المنلا في الفن أداة للمعرفة، وفي الدراما وسيلة لإعادة تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي، وقد تشكلت هذه الرؤية عبر مسيرة غنية امتدت بين مدينتي دمشق والقاهرة، وتنوعت بين المسرح والدراما التلفزيونية والتأليف النقدي.
في حوار خاص مع وكالة سانا، استعرض المنلا أبرز محطات مسيرته الأكاديمية والفنية، متوقفاً عند بداياته المبكرة مع الشعر والمسرح. أكد المنلا أن رؤيته للفن تقوم على كونه حالة معرفية لا تكتمل إلا بتحقيق المتعة الجمالية، مشدداً على أن المسرح يحتفظ بقدرته على المنافسة متى ما امتلك هدفاً حقيقياً في إعادة بناء النفس البشرية، وصياغة متلقٍ واعٍ يمتلك رأياً وموقفاً واضحاً من الحياة.
يُعد عبد القادر المنلا أستاذاً سابقاً في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق. وقد نال إجازة في الأدب العربي من جامعة دمشق، وليسانس في التمثيل من المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق أيضاً. لم تتوقف مسيرته التعليمية عند هذا الحد، بل تابع دراساته العليا في القاهرة، حيث حصل على دبلوم وماجستير ودكتوراه في التمثيل والإخراج من أكاديمية الفنون والمعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة.
إلى جانب أعماله الدرامية والتلفزيونية المتنوعة، قدم المنلا العديد من البحوث والدراسات المتخصصة في مجال المسرح. يعتبر المنلا أن رحلته بين دمشق والقاهرة لم تكن مجرد تنقل جغرافي، بل كانت تجربة معرفية وإنسانية عميقة. هذه التجربة أتاحت له فرصة ثمينة لتوسيع مداركه وأدواته، والاطلاع على مدارس مسرحية عالمية متعددة، خاصة من خلال المهرجانات المسرحية والسينمائية التي ساهمت في إدراكه للفروقات بين التجارب الفنية المختلفة، وسعيه لترميم النواقص في التجربة المسرحية العربية.
أوضح المنلا أن علاقته المبكرة بالشعر والمسرح كانت حجر الزاوية في تشكيل رؤيته الفنية والفكرية. يقول: "لطالما رأيت أن الفن يمثل حالة معرفية فريدة، تختلف أدواتها عن بقية الحقول المعرفية، لكن وسيلته الأساسية تكمن في المتعة. فإذا ما تحولت الدراما إلى مجرد معرفة جافة، فإنها تفقد جوهرها الفني، وإذا اقتصرت على التسلية المحضة، فإنها تتخلى عن وظيفتها الحقيقية".
وأضاف: "الدراما ليست مجرد أداة للترفيه، بل يجب أن تتضمن جرعة معرفية عالية، قادرة على تحفيز التساؤلات وإعادة النظر في الإنسان وعلاقاته بذاته وبالمجتمع". مؤكداً أن القيمة الفنية الحقيقية لا يمكن فصلها عن قدرتها على تقديم متعة جمالية وفكرية للمتلقي في آن واحد.
أشار المنلا إلى أن فترة دراسته في القاهرة فتحت أمامه آفاقاً أوسع للاطلاع على المدارس المسرحية العالمية. وأوضح أن المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة تميز باعتماده على مناهج متنوعة وأساتذة من خلفيات ثقافية مختلفة، في حين كان معهد دمشق متأثراً بشكل خاص بالمدرسة الروسية.
في سياق حديثه عن الفروقات بين الدراما السورية والمصرية، رأى المنلا أن الدراما السورية ركزت لفترة طويلة على القضايا الفكرية والاجتماعية، أحياناً على حساب التفاصيل الحياتية اليومية. وأوضح أن "الممثل المصري يميل إلى معايشة الدور بعفوية مستوحاة من الواقع المعيش، بينما يتجه الممثل السوري نحو بناء الشخصية بأسلوب تقني أكثر".
وأضاف أن "الإخراج في الدراما السورية كان يولي القضية المطروحة أهمية قصوى، في المقابل، حافظت الدراما المصرية على قربها من نبض الحياة اليومية وعامة الناس". مشيراً إلى أن هذا التباين لا يلغي تميز كل تجربة، بل يكشف عن طبيعة المرجعيات الفنية والاجتماعية التي ساهمت في صياغة كل منهما.
تتضمن مسيرة المنلا الفنية مشاركات عديدة في أعمال درامية سورية ومصرية شهيرة. من أبرز المسلسلات السورية التي شارك فيها: "حديث المرايا"، "بقعة ضوء"، و"حمام القيشاني". أما على الصعيد المصري، فقد شارك في مسلسلات مثل "ناصر"، "أدهم الشرقاوي"، "العراف"، و"فرقة ناجي عطا الله". كما قام بتأليف مسلسل "فتافيت".
في مجال التأليف والنقد، أثرى المنلا المكتبة العربية بكتابه النقدي "هبوط اضطراري: قراءة بيضاء في الصندوق الأسود" الذي صدر عام 2011، ثم أتبع ذلك بمسرحية "الورثة" عام 2024. هذه الأعمال تعكس تجربته المتكاملة التي تجمع بين الممارسة الفنية، البحث النظري، والكتابة النقدية.
أكد المنلا على أن المسرح لا يزال يمتلك القدرة على المنافسة، على الرغم من الهيمنة المتزايدة لوسائل التواصل الاجتماعي. ولكنه شدد على ضرورة توفير "حالة جذب حقيقية" تعيد الجمهور إلى قاعات المسرح. بالنسبة له، المسرح هو "عملية مستمرة تهدف إلى إعادة إعمار النفس البشرية، وصياغة متلقٍ يمتلك رأياً وموقفاً واعياً تجاه الحياة".
وتابع قائلاً: "الفن لا يقتصر على مجرد عكس الواقع، بل يتجاوز ذلك ليقوم بتحليله ونقده واقتراح بدائل له، بشرط أن يكون هناك دافع حقيقي لتقديم فن يحمل قيمة فكرية وإنسانية عميقة". مؤكداً أن قيمة حضور المسرح لا تُقاس فقط بعدد العروض، بل بقدرته على إقامة علاقة حية وتفاعلية بين خشبة المسرح والجمهور.
فيما يخص تجربته في الصحافة والنقد الفني، أوضح المنلا أن الكتابة النقدية مثلت له مساحة واسعة للحرية والتعبير الفردي، لا سيما في ظل "الصعوبات التي واجهها في مجالات التمثيل والإخراج والتدريس".
واختتم حديثه بتأكيد أن "ما يشغله دائماً هو إزالة الأقنعة والتخلص من الزيف والنفاق، لأن الفن الحقيقي يجب أن يمتلك القدرة على كشف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة".
ولد الفنان عبد القادر المنلا في مدينة حلب عام 1969. بدأ مسيرته الفنية في الدراما السورية خلال تسعينيات القرن الماضي، ثم تابع دراساته العليا في القاهرة. عمل لاحقاً في مجالات التدريس والإخراج والتمثيل والتأليف المسرحي والنقد الفني.
يُعتبر المنلا من الشخصيات البارزة التي جمعت بين الممارسة الأكاديمية والتجربة الفنية الغنية، من خلال حضوره الفاعل في المسرح والدراما والبحث النقدي. وقد قدم تجربة فريدة ترتكز على ربط الفن بالمعرفة، والمسرح بالإنسان، والدراما بالأسئلة التي تسهم في إعادة بناء الوعي والحياة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة