منصة تسويق القمح في حماة: كابوس يهدد موسم المزارعين ويدفعهم للبيع بخسارة


هذا الخبر بعنوان "حماة.. منصة تسويق القمح تحول موسم المزارعين إلى كابوس" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه مزارعو ريف حماة أزمة خانقة مع انطلاق موسم حصاد القمح لهذا العام، حيث تحولت آلية "حجز المنصة" الإلكترونية لتسويق المحصول إلى عقبة كبرى تهدد بتبديد جهود موسم كامل. فبعد سنوات من النزوح والدمار، كان الفلاحون يأملون في موسم يعيد إليهم بعض الاستقرار، إلا أن ضعف البنية الرقمية، وارتفاع تكاليف النقل، وغياب شبه كامل لمراكز التخزين المؤقتة، وتضارب التعليمات الميدانية، فاقمت من معاناتهم.
وتكشف شهادات مزارعين ومسؤولين محليين تحدثوا إلى عنب بلدي أن الإجراءات المرتبطة بالمنصة الإلكترونية تلتهم ما تبقى من هامش ربح الفلاح، مما يدفع البعض إلى بيع محاصيلهم للتجار بخسارة، هربًا من دوامة الانتظار والرسوم الإضافية.
المزارع أحمد جاد، من مدينة كفرزيتا، وصف قرار "حجز المنصة" الإلكترونية لتسويق محصول القمح بأنه "القشة التي قصمت ظهر الفلاح"، بعد أن أنهكته تكاليف الإنتاج الباهظة. وأضاف جاد لعنب بلدي أن المزارع بات الحلقة الأضعف في منظومة أزمات متكاملة، فهو يتحمل وحده التعب، بينما لا تخضع عمليات الحصاد والنقل لأي معايير ميسرة، من توفر الحصادات والجرارات إلى أكلافها المرتفعة جدًا.
وفيما يخص معاناة المزارعين في الحجز على المنصة، شدد المزارع على ضرورة أن تجد الجهات المعنية "سندًا ودعمًا يحميه، لا قرارات تقيّده، لأن أي ضرر يصيب هذا القطاع سينعكس سلبًا على الأمن الغذائي للجميع".
هذه المعاناة يؤكدها عدنان حسين الناصر، رئيس وحدة إرشادية غور العاصي بريف حماة، من زاوية ميدانية، موضحًا أن أولى الصعوبات وأكبرها تبدأ من ضعف شبكة الإنترنت بشكل استثنائي في المنطقة. وقال الناصر لعنب بلدي: "نعاني من ضعف في شبكة الإنترنت بشكل غير طبيعي، والمزارعون يتعذبون كثيرًا حتى في الوصول إلى المنصة، هذه أول صعوبة". وكشف أن المزارع يقضي ساعات طويلة منذ الصباح محاولًا الدخول إلى المنصة دون جدوى، مضيفًا: "مجرد الدخول إلى المنصة غير ممكن، ومشكلة الإنترنت في الأرياف لحماة مشكلة كبيرة جدًا".
لا تتوقف المعضلة عند حدود حجز الدور على منصة متعثرة، بل تمتد إلى تبعات لوجستية مرهقة تبدأ من لحظة الحصاد. المزارع محمد إبراهيم آل دناور، من ريف حماة، أوضح لعنب بلدي أنه يواجه صعوبات كبيرة في حصاد محصوله من القمح هذا العام بسبب الإجراءات اللوجستية المرتبطة بآلية التسليم. وأشار إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في اشتراط التسجيل المسبق على المنصة الإلكترونية، حيث يترتب على أي تأخير عن الموعد المحدد تكاليف مالية مرتفعة كأجور إضافية لشاحنة النقل.
وأعرب آل دناور عن قلقه العميق من خسارة الموسم، خاصة وأنها المرة الأولى التي يزرع فيها أرضه بالقمح منذ 14 عامًا بعد عودته من النزوح، في ظل هذه التعقيدات وغياب الحلول البديلة للتخزين.
وشرح رئيس وحدة إرشادية غور العاصي، عدنان حسين الناصر، هذه المعضلة بالأرقام قائلًا لعنب بلدي: "الجرار الواحد لنقل حمولة خمسة أطنان إلى صوامع كفربو يتكلف مليون ليرة سورية. فإذا انتظر المزارع الرسالة أربعة أو خمسة أيام، سيضطر لدفع خمسة إلى ستة ملايين ليرة لمجرد بقاء الجرار تحت تصرفه". وأضاف أن بعض المزارعين قد ينتظرون 10 أو حتى 12 يومًا لتصلهم رسالة الموعد، مما يضطرهم إلى تفريغ محصولهم على الأرض لتجنب تراكم إيجارات الآليات.
يتضاعف المأزق في ظل غياب شبه تام لمراكز التخزين المؤقتة. وكشف عدنان حسين الناصر أن المساحة المزروعة بالقمح في منطقة غور العاصي تبلغ نحو 4,500 دونم بين سقي وبعل، لم يُحصد منها حتى الآن سوى قرابة 600 دونم، بينما يستمر حصاد الشعير الذي بلغت مساحته المحصودة نحو 1,500 دونم.
ووصف الناصر مأساة التخزين المؤقت قائلًا: "أغلبية المزارعين لا يمتلكون مستودعات. وإذا أراد المزارع تعبئة المحصول بأكياس وتأجير عمال، فإن الطن الواحد يتكلف بين 100 و150 ألف ليرة سورية، ثم يضطر لإعادة التحميل مجددًا عندما يصله الدور على المنصة". ويزيد من حجم المخاطر المحدقة أن المحصول المخزن بهذه الطريقة يبقى عرضة للسرقة والفئران واحتمال هطول أمطار مفاجئة، عدا عن خطر الحرائق الذي أصبح شبحًا يهدد المحصول المنتظر في العراء.
وتتفاقم المأساة مع واقع صوامع كفربو التي أكد مديرها، وفق الناصر، أنها ستحتاج إلى عشرة أيام على الأقل لتصبح جاهزة لاستلام الحبوب، مقترحًا على المزارعين التوجه إلى صوامع سلحب في محردة أو سلمية البعيدة، وهو ما قوبل برفض قاطع من المزارعين بسبب المسافة الطويلة وتكاليف النقل الإضافية. أما بالنسبة لآلية الحجز ذاتها، فيؤكد الناصر أنه "حتى الآن لم يجرِ أي حجز على المنصة في المنطقة التابعة لوحدة إرشادية غور العاصي"، مضيفًا: "المشكلة ليست في الصوامع والمنصة فحسب، بل في عدم توفر الإنترنت وضعف إمكانية الوصول".
في الوقت الذي ينتظر فيه المزارعون أدوارهم على المنصة، يبرز خطر الحرائق كشبح إضافي يهدد بتحويل المحصول الذهبي إلى رماد في غضون دقائق. وكشف رئيس الوحدة الإرشادية، عدنان حسين الناصر، عن احتراق أكثر من 60 دونمًا من القمح في المنطقة المجاورة لوحدته، وتحديدًا في الأراضي التابعة للوحدة الإرشادية في بسيرين على الطريق العام. وأضاف أن هذا الخطر يزيد من إلحاح ضرورة تسريع عملية التسويق، فالمحصول المنتظر على الأرض أو المعبأ بشكل مؤقت يبقى عرضة للحرائق التي قد تلتهم موسمًا كاملًا في لحظات، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة وجفاف الأعشاب المحيطة بالحقول.
أمام هذا الواقع المرير، لم يجد كثير من المزارعين بدًا من سلوك طريق مؤلم، لكنه الوحيد المضمون: بيع المحصول لتجار الجملة بأسعار تقل كثيرًا عن تسعيرة الدولة. وكشف عدنان حسين الناصر عن اتصالات أجراها مع مزارعين يائسين قالوا له: "نبحث عن تاجر يشتري المحصول، لم نعد نحتمل هذه الفوضى والخسائر المتلاحقة، نريد أن ننتهي من هذا الوضع المرهق بأي ثمن". وأضاف: "لا يمكن للمزارع أن ينتظر أكثر من خمسة أيام تاركًا محصوله في العراء ومعرضًا للخطر، إنه أمر مستحيل. لذلك يلجأ للبيع للتجار بسعر أقل".
وبيّن الناصر بالأرقام حجم الفجوة السعرية، إذ يُعرض على المزارعين سعر 4,000 ليرة سورية للكيلوجرام الواحد، بينما تسعيرة الدولة تبلغ 5,900 ليرة للقمح المشوّل، بفارق يصل إلى 1,900 ليرة، ونحو 1,400 ليرة للقمح من نوع دوغما. وهذا الفارق، مع كلفة الحصاد البالغة 150 ألف ليرة للدونم الواحد وأجور النقل والعمال، يجعل المزارع مضطرًا لبيع محصوله بأقل من سعره الحقيقي، ليتمكن على الأقل من دفع أجرة الحصادة التي تطالب بمستحقاتها فورًا على رأس الأرض، وتسديد أجور النقل والعمال المترتبة عليه.
تتحد مطالب المزارعين في ريف حماة في صوت واحد، عبّر عنه كل من المزارع أحمد جاد ورئيس الوحدة الإرشادية عدنان الناصر، ويتمثل في مطلب بسيط وعاجل: إلغاء العمل بمنصة الحجز الإلكترونية والعودة إلى آلية العام الماضي. وقال المزارع: "مطالبنا واضحة وصريحة ولا تحتمل التأجيل، نحن نطالب بإلغاء هذا القرار فورًا، وإعادة النظر بكافة الإجراءات المعقدة المرتبطة بمنصة حجز القمح. نريد تسهيلات تضمن لنا تسويق وتصريف محاصيلنا دون قيود أو عراقيل تزيد من معاناتنا".
أما رئيس الوحدة الإرشادية، فقدّم مقترحًا انتقاليًا يعكس صوت العقل من وجهة نظر الفلاحين، قائلًا: "أتمنى أن يصل صوت هؤلاء الفلاحين إلى المعنيين، بأن يبقى الوضع كما كان في السنة الماضية أو التي قبلها، دون حجز دور على المنصة، إلى أن تتحسن شبكة الإنترنت، ويصبح لدى الفلاح خبرة ومعرفة بالتعامل مع هذه الأنظمة الإلكترونية. وفي السنة المقبلة يمكن تطبيق المنصة بعد أن يكون الفلاح قد اكتسب المهارة اللازمة، وتوفرت البنية التحتية المناسبة".
في المقابل، أكد مدير المؤسسة السورية للحبوب، حسن العثمان، استمرار جميع مراكز استلام الأقماح في المحافظات باستقبال محصول القمح بكامل طاقتها الاستيعابية والتشغيلية طوال أيام الأسبوع، بما في ذلك أيام الجمعة، لضمان سرعة الاستلام والتفريغ وتقديم أفضل الخدمات للمزارعين خلال الموسم الحالي. وأوضح العثمان أن المؤسسة اعتمدت آلية "الاستلام المرن"، التي تتيح للمزارعين الحاصلين على مواعيد عبر المنصة الإلكترونية تسليم محاصيلهم قبل موعدهم المحدد عند توافر طاقة استيعابية أو ساحات تفريغ شاغرة، بما يسهم في تسريع الإجراءات وتخفيف الأعباء عنهم. وأضاف أن المراكز تواصل استقبال المزارعين الذين لم يتمكنوا من التسجيل عبر المنصة الإلكترونية، وتسجيلهم ورقيًا بشكل فوري داخل مراكز الاستلام، بما يضمن إنجاز معاملاتهم بمرونة وسلاسة وفق الإمكانات المتاحة. وأشار إلى أن هذه الإجراءات تأتي في إطار حرص المؤسسة على تسهيل تسويق محصول القمح، ورفع كفاءة عمليات الاستلام، بما يحفظ حقوق المزارعين ويضمن إنجاز العمل بالسرعة المطلوبة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد