تحركات دبلوماسية سورية نحو المغرب العربي: دمشق تسعى لتعزيز حضورها الإقليمي وسط توازنات معقدة


هذا الخبر بعنوان "دمشق تطرق بوابة المغرب العربي.. انفتاح تحكمه التوازنات" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تواصل الدبلوماسية السورية تحركاتها النشطة باتجاه دول المغرب العربي، وذلك بعد الزيارات الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى الجزائر مطلع حزيران الحالي، والتي سبقتها بأسابيع زيارة مماثلة إلى المغرب. تثير هذه التحركات تساؤلات حول دلالات هذا الحراك الدبلوماسي وحدود الانفتاح المغاربي على سوريا في ظل المرحلة الانتقالية الراهنة.
أفادت وزارة الخارجية السورية أن الشيباني أجرى مباحثات مكثفة مع مسؤولين جزائريين، بمن فيهم الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون. تركزت المباحثات على تعزيز العلاقات الثنائية وسبل تطوير التعاون بين البلدين، في إطار سعي دمشق لتوسيع شبكة علاقاتها العربية واستكشاف آفاق جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي.
تأتي هذه التحركات السورية تجاه الجزائر والمغرب ضمن مساعٍ أوسع لإعادة بناء العلاقات مع الدول العربية بعد التحولات السياسية التي شهدتها سوريا. يحمل الانفتاح على دول المغرب العربي أبعادًا سياسية تتجاوز مجرد العلاقات الثنائية، إذ تسعى دمشق من خلاله إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي عربيًا، وتثبيت موقعها ضمن منظومة العلاقات الإقليمية في المرحلة الجديدة.
وعلى الرغم من الطابع السياسي الواضح لهذه الزيارات المتبادلة، يطرح الحراك الدبلوماسي الحالي تساؤلات حول إمكانية تطور العلاقات إلى مستويات أعمق تتجاوز الزيارات البروتوكولية والإعلانات الرسمية.
مع وجود مؤشرات إيجابية تعكسها الزيارات الرسمية، لا يزال من المبكر الحديث عن تحول جذري في طبيعة العلاقات. تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى بناء الثقة السياسية وإعادة تفعيل قنوات التواصل الرسمية، كخطوة تمهيدية لبحث ملفات أكثر عمقًا في المستقبل.
في هذا السياق، اعتبر الباحث في الشؤون العربية والإفريقية، علي فوزي، أن زيارة وزير الخارجية السوري إلى الجزائر بعد فترة وجيزة من زيارته للمغرب، تندرج ضمن تحرك دبلوماسي أوسع يهدف إلى إعادة بناء شبكة العلاقات العربية لسوريا خلال المرحلة الانتقالية الحالية. وأوضح فوزي، في تصريح لعنب بلدي، أن دمشق تدرك أن استعادة دورها الإقليمي لا يمكن أن تقتصر على المشرق العربي والخليج، بل يجب أن تشمل أيضًا دول المغرب العربي التي تمثل عمقًا سياسيًا واقتصاديًا مهمًا داخل المنظومتين العربية والإفريقية.
وأضاف فوزي أن موقف الجزائر والمغرب من السلطة السورية الجديدة يتسم بـ"الحذر الإيجابي"، حيث يحافظ البلدان على الاعتراف الدبلوماسي والتعامل الرسمي مع المؤسسات السورية، مع رغبة في متابعة مسار الاستقرار السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة. ويرى فوزي أن العلاقات تشهد انفتاحًا تدريجيًا، لكنه لا يزال في مرحلة بناء الثقة وتقييم التطورات الداخلية السورية، أكثر من كونه انتقالًا إلى شراكات استراتيجية مكتملة.
وبحسب فوزي، تسعى سوريا من خلال تعزيز حضورها في دول المغرب العربي إلى توسيع دائرة الدعم السياسي العربي، وجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال، والاستفادة من الخبرات الاقتصادية والتنموية، بالإضافة إلى فتح أسواق جديدة أمام المنتجات السورية مستقبلًا. في المقابل، يمكن لدول المغرب العربي الاستفادة من فرص إعادة الإعمار في سوريا، وتوسيع التعاون التجاري والاستثماري، وتعزيز حضورها الاقتصادي في منطقة المشرق العربي.
وأشار فوزي إلى أن العلاقات السورية مع الجزائر والمغرب تمتلك فرصًا تتجاوز البعد السياسي، لتشمل مجالات واعدة للتعاون في قطاعات البناء وإعادة الإعمار والطاقة والنقل والزراعة والصناعات الغذائية والسياحة والتعليم العالي والتدريب المهني. كما لفت إلى أن الموانئ وشبكات النقل في دول المغرب العربي قد تشكل بوابة مهمة لتعزيز التبادل التجاري بين سوريا والأسواق الإفريقية.
ومع ذلك، توجد تحديات قد تعوق تطور هذه العلاقات خلال السنوات المقبلة، منها استمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار المرحلة الانتقالية في سوريا، إلى جانب التوازنات الإقليمية والدولية المؤثرة في الملف السوري. كما أشار إلى تحديات اقتصادية تتعلق بالبنية التحتية والتمويل والعقوبات وارتفاع تكاليف النقل والشحن بين المشرق والمغرب العربي، فضلًا عن الحاجة إلى تحديث الأطر القانونية والاستثمارية.
ويرى فوزي أن الانفتاح السوري على دول المغرب العربي لا يمكن فصله عن عملية إعادة تموضع السياسة الخارجية السورية عربيًا، ويندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة الاندماج العربي، وتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية السورية بعد سنوات من العزلة والصراع، وتلبية متطلبات المرحلة الانتقالية وبناء علاقات متوازنة مع مختلف العواصم العربية.
من جانبه، يرى أستاذ القانون الدولي العام، الدكتور عامر فاخوري، أن زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى الجزائر بعد فترة قصيرة من زيارته إلى المغرب لا تبدو بروتوكولية معزولة، بل تأتي ضمن حراك دبلوماسي أوسع تسعى من خلاله دمشق إلى إعادة بناء علاقاتها العربية خلال المرحلة الانتقالية. وأوضح فاخوري، في تصريح لعنب بلدي، أن التوجه نحو دول المغرب العربي يحمل دلالات سياسية واضحة، إذ تحاول سوريا العودة إلى محيطها العربي عبر أكثر من بوابة، وعدم حصر انفتاحها في دول المشرق والخليج فقط.
وأشار إلى أن زيارة الشيباني إلى المغرب حملت بُعدًا رمزيًا وعمليًا في آن واحد، لا سيما مع إعادة فتح السفارة السورية في الرباط بعد سنوات من التوقف، معتبرًا أن هذه الخطوة تعكس انتقال العلاقات من إطار المجاملات الدبلوماسية إلى استعادة التمثيل والتواصل المؤسسي بين البلدين. وأضاف أن لقاءات الشيباني في المغرب عكست استعداد الرباط للتعامل مع الإدارة السورية الحالية ضمن مقاربة جديدة، في حين حملت زيارة الجزائر رسائل سياسية مختلفة، تجلت في استقبال الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، للوزير السوري، إلى جانب مباحثاته مع وزير الخارجية الجزائري، ما منح الزيارة ثقلًا سياسيًا واضحًا.
وبحسب فاخوري، تبدو الجزائر حريصة على الإبقاء على قنوات التواصل مع دمشق، والتعامل مع التحولات السورية من منطلق الحفاظ على الحضور العربي والاستمرارية الدبلوماسية، بعيدًا عن سياسات العزلة والقطيعة. واعتبر أن الزيارتين تعكسان توجهًا سوريًا لإعادة وصل ما انقطع مع دول المغرب العربي، إلا أن من المبكر الحديث عن تحول استراتيجي كامل، موضحًا أن المشهد الحالي أقرب إلى انفتاح سياسي متدرج ومحاولة لإعادة تثبيت الحضور السوري عربيًا، وبناء علاقات متوازنة مع دول تمتلك حساباتها ومصالحها الخاصة.
ولفت إلى أن دمشق تحرص في الوقت نفسه على تجنب الدخول في حساسيات المنطقة المغاربية، ولا سيما في ظل التباينات القائمة بين المغرب والجزائر، عبر تبني سياسة تقوم على تطوير العلاقات مع مختلف الأطراف دون الاصطفاف إلى جانب طرف على حساب آخر.
العلاقات السورية مع المغرب والجزائر، بحسب فاخوري، تجاوزت مرحلة الاعتراف الدبلوماسي الشكلي، من خلال تبادل الزيارات الرسمية وإعادة فتح قنوات التواصل والمؤسسات الدبلوماسية، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الشراكات الاستراتيجية المتكاملة. وأضاف أن سوريا تسعى من هذا الانفتاح إلى تعزيز شرعيتها العربية، وتوسيع شبكة علاقاتها السياسية، وتهيئة الأرضية لتعاون اقتصادي محتمل في مرحلة إعادة البناء، في حين تتيح هذه العلاقات للمغرب والجزائر فرصًا لتعزيز حضورهما في الملف السوري، واستكشاف فرص اقتصادية مستقبلية.
حول العقبات المحتملة، أشار فاخوري إلى أن نجاح العلاقات السورية مع دول المغرب العربي يبقى مرتبطًا بمدى قدرة الإدارة السورية على تعزيز الاستقرار الداخلي، وتوحيد المؤسسات، وترسيخ حالة من الانتظام السياسي والإداري. واعتبر أن استمرار حالة عدم اليقين قد يدفع بعض العواصم إلى الإبقاء على علاقاتها ضمن حدود التواصل السياسي دون الانتقال إلى شراكات أوسع.
كما لفت إلى وجود تحديات اقتصادية مرتبطة بالعقوبات والقيود المالية وصعوبات التحويلات المصرفية وضعف الضمانات الاستثمارية، ما قد يحد من فرص الانتقال السريع من التقارب السياسي إلى التعاون الاقتصادي. وأضاف أن من بين التحديات أيضًا حساسية التوازنات القائمة بين المغرب والجزائر، الأمر الذي يتطلب من دمشق إدارة علاقاتها مع الطرفين بحذر للحفاظ على سياسة متوازنة وعدم الانخراط في الخلافات الإقليمية.
يُمثل الانفتاح السوري على دول المغرب العربي جزءًا من عملية إعادة تموضع السياسة الخارجية السورية عربيًا، وسعي دمشق إلى بناء علاقات مع مختلف العواصم العربية. لكنه لا يزال في بدايته ويرتبط أيضًا بمتطلبات المرحلة الانتقالية والحاجة إلى توسيع شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية خارج نطاقها التقليدي، وفقًا لفاخوري.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة