العنف العلني في سوريا: صرخة أم ومطالبة بالدولة والقانون بدلاً من شريعة الغاب


هذا الخبر بعنوان "صرخة أم.. ليش ابني لازم يشوف هالضرب والسحل والدم؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سوريا اليوم، يبرز صوتان أساسيان يستدعيان الإنصات العميق: صوت الأم التي تتساءل "لماذا يجب أن يشاهد أبناؤنا هذا العنف في الشارع؟"، وصوت المواطن الحريص على الدولة والقانون الذي يدعو إلى تسليم الجناة إلى "المخفر" بدلاً من الفوضى، وذلك لضمان عدم تحول المجتمع إلى غابة.
تخيل أن تسير في الشارع برفقة طفلك البالغ من العمر سبع سنوات، فيشاهد عشرة أفراد يقومون بسحل مواطن وضربه علناً. ما هو الأثر النفسي والسلوكي الذي سيتركه هذا المشهد في نفسه؟ وإذا سألك عن سبب ذلك، وأجبته بأن المعتدى عليه مذنب ويستحق العقاب، ألن يرسخ في ذهنه أن بإمكانه ضرب وسحل أي شخص يخطئ بحقه، دون الحاجة للجوء إلى السلطات أو الأهل؟
لقد أظهر مقطع فيديو متداول على صفحة "عين ترما" قيام مجموعة من الشبان يوم أمس بضرب شاب في العشرين من عمره وسحله في الشارع أمام مرأى ومسمع المئات. وقد كانت التهمة الموجهة إليه، حسب الفيديو، أنه من "فلول النظام".
يُظهر المشهد أيضاً حافلة نقل ربما كانت مكتظة بالأطفال، وسيارات تقل عائلات، وسط فوضى عارمة وصراخ وضرب وشتم. كل هذا حدث في فضاء عام يُفترض أن يكون مكاناً آمناً يتشاركه الناس باحترام للكرامة الإنسانية وللدولة.
إن أول ردة فعل لأم شاهدت هذا الفيديو كانت التساؤل: "لماذا يجب أن يشاهد أبناؤنا هذا الشيء في الشارع؟" وهو سؤال مشروع تماماً لأم ترغب في أن ينمو ابنها في بيئة يسودها العدل والأمان، وفي فضاء عام يحترم الجميع، بعيداً عن العنف والتعدي على القانون.
وفي هذا السياق، يوجه أحد العقلاء نصيحة للشبان المتورطين في الضرب والسحل قائلاً: "المخفر جنبك". هذه العبارة تحمل دعوة واضحة: إذا كنتم تسعون للعدالة والمحاسبة، فسلموا المتهم إلى "المخفر" ليحاسب وفق القانون. فمن أنتم لتحاسبوه، ومن الذي نصبكم مكان أجهزة الدولة والأمن والقضاء؟
ماذا لو كان الشخص المعتدى عليه بريئاً؟ وماذا لو نشب خلاف بيني وبينك، وفي أثناء مرورنا في الشارع خلال مظاهرة احتجاجية مثلاً، صرختُ بأنك من "فلول النظام" وحرضت عشرة أشخاص للهجوم عليك، فقاموا بذلك وكسروا محلك وأحرقوا ممتلكاتك وقتلوك؟ ما الفائدة من معرفة الناس براءتك في اليوم التالي؟ وماذا ينفع القتلة الندم على قتل رجل بريء ترك أبناءه يتامى وأسرته ثكلى؟
يعتقد البعض أن سحل شخص وضربه في الشارع أو إيذائه والإساءة إليه هو بمثابة محاسبة له على أفعاله. لكن في الواقع، هم يرتكبون جريمة جديدة، ويساهمون في استمرار نهج الجريمة وتدمير مفهوم الدولة والمحاسبة والعدالة والقضاء. إن جريمتين لا تصنعان عدالة.
إن العدالة الحقيقية تتحقق عبر المحاكمة العادلة، وتقديم المدافعة، والأدلة، وشهادات الشهود، وإصدار الحكم بعد التروي والتحقق. فالعدالة تنبع من القاضي، الذي ضحى السوريون بدماءهم وأرواحهم وسنين عمرهم من أجل أن يكون سلطة مستقلة تحكم بالعدل وتؤسس لدولة القانون.
فالصراخ والتحريض والحماس لا يمكن أن يصنعوا عدالة. فالحشود قد تنجرف وراء الظنون والشائعات والمعلومات المضللة. على سبيل المثال، قرأت بالأمس منشوراً لمؤثر يضع صورة شاب من "دير الزور" ويكتب معلومات عنه، ثم يختتم بالقول إن هذه المعلومات على ذمة الراوي وهو غير مسؤول عنها. فهل أنت مستعد للحكم على شخص بناءً على رواية غير موثوقة؟ هل أنت مستعد لتعيش بقية حياتك وأنت تعلم أنك ساهمت في قتل شخص ظلماً؟ فكر ملياً قبل اتخاذ أي قرار.
لا يدافع أحد في سوريا عن مجرم، ولا يرغب أحد في أن يفلت مجرم من العقاب. لكن ما يسعى إليه الناس هو الدفاع عن القانون، وعن الكرامة الإنسانية، وعن أمان الفضاء العام، وعن مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.
إنهم لا يريدون لأبنائهم أن يتربوا في بيئة يسودها القتل خارج إطار القانون، ولا يرغبون في أن يتحول المجتمع إلى غابة عنف، ولا يريدون للدولة أن تُبنى على مظلوميات جديدة. باختصار، إنهم يطمحون لبناء مستقبل قائم على العدل، ودولة قانون، وكرامة.
لذلك، فإن صوت الأم يعبر عن الحرص على المجتمع، وصوت من قال "المخفر جنبك" يمثل الحرص على الدولة والوطن. فالأول يخشى على أطفاله من أن يصبحوا ضحايا لدائرة العنف المتواصلة، والثاني يخشى على الدولة من أن تتحول إلى غابة. وبين هذين الخوفين، يتلخص مستقبل سوريا: لا عدالة بدون قانون، ولا كرامة في فضاء عام يحكمه العنف.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة