بناء الأمل في سوريا: دعوة للأجيال للمشاركة في صناعة المستقبل لا الانتظار


هذا الخبر بعنوان "قراءة هادئة في تحولات الشرق الأوسط (12) أجيال يجب أن تبني أملاً من تاريخ قريب..إهداء إلى كل مواطن سوري" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: المهندس محمود محمد صقر
تمر الشعوب بلحظات فارقة، لا تكمن فيها المشكلة في الماضي الذي انقضى، ولا في المستقبل الذي لم يأتِ بعد، بل في كيفية تعامل الناس مع الفترة الفاصلة بينهما. فبعد كل حرب أو أزمة كبرى أو تحول سياسي واجتماعي، يبرز تساؤل جوهري: ماذا الآن؟ وكيف نتصرف ونحن نترقب الغد؟
في مثل هذه الظروف، غالباً ما تنقسم المجتمعات إلى فريقين: أحدهما ينتظر من الدولة أن تتولى كل شيء، والآخر يترقب فشلها في كل مسعى. يجلس الفريق الأول كمتفرج ينتظر معجزة، بينما يجلس الثاني متوقعاً تأكيد تشاؤمه. وفي كلتا الحالتين، يتراجع الفعل ليتقدم الانتظار. لكن الأمم التي نجحت في النهوض لم تبنِ مستقبلها بالترقب، بل بالعمل الدؤوب.
ربما لأنني أمضيت حياتي في مجال الهندسة، أنظر إلى هذه المسألة من زاوية مختلفة. فالمشروع لا يُقاس بجمال المخطط وحده، ولا بعمق الحفر، ولا بحجم الخرسانة المصبوبة في الأساسات، بل بما ينجزه مئات أو آلاف الأشخاص يومياً. إنه نتاج التزام العامل بعمله، وإتقان الفني لحرفته، ومراجعة المهندس للتفاصيل، وحفظ المحاسب للحقوق، وتنظيم الإداري للعمل. من مجموع هذه الأعمال الصغيرة يولد المشروع الكبير.
الأوطان لا تختلف كثيراً عن المشاريع. فالخرائط وحدها لا تشيد المدن، والقوانين وحدها لا تبني الدول، والخطابات وحدها لا تصنع المستقبل. إنما يصنعه البشر حين يتحولون من متفرجين إلى مشاركين فاعلين. ولهذا أجد نفسي أتساءل: هل تبدأ إعادة الإعمار من الحجر أم من الإنسان؟
قد نتمكن من إعادة بناء الأبنية خلال سنوات معدودة، لكن إعادة بناء الثقة تتطلب زمناً أطول بكثير. وقد نستطيع ترميم الطرق والجسور بسرعة، لكن ترميم ثقافة العمل والانتماء والمسؤولية يحتاج إلى جهد أكبر وأعمق. فالإنسان هو الذي يبني الحجر، وليس الحجر هو الذي يبني الإنسان.
وهل تكفي القوانين وحدها؟ يخبرنا التاريخ أن أفضل القوانين يمكن أن تفشل إذا غابت ثقافة احترامها. فالمجتمعات القوية ليست تلك التي تملك أكبر عدد من القوانين، بل تلك التي يلتزم أفرادها بما اتفقوا عليه. وهل تستطيع الحكومة وحدها إعادة بناء بلد؟ لو كان ذلك ممكناً، لما احتاجت الأمم إلى مجتمعاتها. فالدولة تستطيع أن تخطط، وتنظم، وتدير، وتراقب، لكنها لا تستطيع أن تعمل مكان ملايين الناس.
فما دور المهندس؟ وما دور الطبيب؟ وما دور المعلم؟ وما دور رجل الأعمال؟ وما دور الطالب؟ وما دور الحرفي والعامل؟ إن لكل واحد منهم حجراً صغيراً في بناء الوطن. وقد يبدو هذا الحجر متواضعاً حين ننظر إليه منفرداً، لكن المدن لا تُبنى إلا من اجتماع الحجارة الصغيرة.
من هنا، ربما يكون أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات بعد الحروب ليس الفقر وحده، ولا نقص الموارد وحده، ولا حتى الأخطاء الإدارية وحدها، بل أن يتحول المواطن إلى متفرج ينتظر الحلول من الآخرين. فالذين ينتظرون المستقبل فقط، نادراً ما يصلون إليه. أما الذين يشاركون في صناعته، فهم الذين يغيرون شكل التاريخ.
لقد علمتنا تجارب الأمم أن النهضة لا تبدأ حين تصبح الظروف مثالية، بل حين يقرر الناس أن يعملوا رغم أن الظروف ليست مثالية. وأن يزرعوا رغم أن الحصاد بعيد. وأن يبنوا رغم أن الطريق طويل. وأن يحافظوا على الأمل دون أن يتحول الأمل إلى انتظار سلبي.
قد يختلف السوريون اليوم في تقييم المرحلة، وقد يختلفون في مقدار التفاؤل أو التشاؤم، وقد تتباين آراؤهم حول السياسات والقرارات والأولويات. لكنهم يتفقون جميعاً على أمر واحد: أن سوريا أكبر من أي خلاف عابر. وأن مستقبلها لن يبنيه مقال، ولا حكومة، ولا معارضة، ولا مستثمر واحد. بل ستبنيه أجيال كاملة.
أجيال تتعلم أن المال يمكن أن يبني مشروعاً، أما الرؤية فتبني مدينة. وأن القوانين قد تنظم الحياة، أما الثقة فتبني وطناً. وأن المستقبل لا يُنتظر فقط، بل يُصنع. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يقف أمامنا جميعاً: أن ننتقل من انتظار المستقبل إلى المشاركة في صناعته. ولعل هذا هو المعنى الأعمق للأمل... أن يبقى الإنسان قادراً على العمل، حتى قبل أن يرى النتيجة. (موقع:أخبار سوريا الوطن)
سياسة
سياسة
تكنولوجيا
سياسة