الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا: جهود متواصلة لكشف الحقيقة، المحاسبة، وحفظ الذاكرة


هذا الخبر بعنوان "منذ تأسيسها..هيئة العدالة الانتقالية مستمرة بمسارات كشف الحقيقة والمحاسبة وحفظ الذاكرة" نشر أولاً على موقع قناة الإخبارية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ الإعلان عن تشكيلها، شهد ملف العدالة الانتقالية في سوريا خطوات عملية متسارعة، شملت بناء الإطار المؤسسي والقانوني للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وإطلاق مسارات المحاسبة وكشف الحقيقة وحفظ الذاكرة. تأتي هذه الجهود بالتوازي مع دعم محلي ودولي لمسار العدالة في سوريا، بهدف معالجة الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها النظام البائد.
المأسسة والإطار القانوني
شكل إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية نقطة انطلاق رسمية لمتابعة أحد أبرز الملفات حساسية في الشأن المحلي بعد إسقاط النظام البائد. ففي 28 آب المنصرم، أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 149 لعام 2025، القاضي بتشكيل لجنة الهيئة برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف، وعضوية عدد من الشخصيات القانونية والحقوقية. جاء ذلك استكمالاً للمرسوم الصادر في 17 أيار من العام الماضي، والذي أعلن تشكيل الهيئة وكلف رئيسها بتشكيل فريق العمل ووضع نظامها الداخلي.
تتولى الهيئة مهمة محاسبة مسؤولي النظام البائد على الانتهاكات المرتكبة، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية، انطلاقاً من اعتبار العدالة الانتقالية ركناً أساسياً في بناء دولة القانون وضمان حقوق الضحايا. ومع استكمال بنيتها المؤسسية، أوضحت الهيئة في 30 نيسان المنصرم، أن عملها يستند إلى ثلاثة مسارات رئيسية: كشف الحقيقة، المحاسبة والمساءلة، وصولاً إلى جبر الضرر وتخليد الذكرى والإصلاح المؤسسي.
وفي هذا السياق، تعمل الهيئة حالياً على توثيق الأدلة والاستماع إلى الشهود، بالتوازي مع إعداد مشروع قانون العدالة الانتقالية الذي سيُعرض على مجلس الشعب المرتقب. كما اعتمدت مساراً قانونياً هجيناً يوازن بين التشريعات السورية النافذة والمعايير الدولية، مؤكدة أن أي أحكام نهائية في قضايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لن تصدر قبل إقرار القانون، وأن المحاكم المختصة تضم قضاة أكفاء من المنشقين عن النظام البائد وقضاة جدداً يتلقون تدريباً وفق المعايير الدولية.
المحاسبة وكشف الحقيقة على الأرض
بالتوازي مع وضع الأسس القانونية، انتقلت الهيئة إلى إجراءات عملية، أبرزها إطلاق المحاكمات ومباشرة أعمال التحقيق وجمع الشهادات. ضمن مسار المحاسبة القضائية، أعلنت الهيئة في 25 نيسان المنصرم، عقد جلسة المحاكمة العلنية لعاطف نجيب في القصر العدلي بدمشق. كما تابعت في 15 حزيران الجاري، وقائع الجلسة الأولى أمام محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية لمتهم بالإخبار عن مواطنين وكتابة تقارير أمنية بحقهم، ما أدى إلى اعتقالهم وإخفائهم.
وفيما يخص قضية عائلة الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها، أكد مدير إدارة المحاسبة والمساءلة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية المحامي رديف مصطفى، في 2 حزيران الجاري، أن المساءلة لن تقتصر على المنفذين المباشرين، بل ستشمل كل من أمر أو حرّض أو شارك أو سهّل ارتكاب هذه الجريمة.
ولجمع الشهادات والمعطيات، كثفت الهيئة أنشطتها الميدانية من خلال زيارات قامت بها لجنتا المساءلة وكشف الحقيقة إلى عدد من المناطق. شملت هذه الجهود زيارة ميدانية إلى منطقة التضامن في دمشق، في نيسان المنصرم، للاطلاع على موقع المجزرة والاستماع إلى شهادات الأهالي وذوي الضحايا. إضافة إلى زيارة محافظة دير الزور، في أيار الماضي، بالتعاون مع وزارة العدل لتلقي الشكاوى والإفادات. كما زار وفد من الهيئة محافظة درعا، في نيسان المنصرم، لجمع الأدلة ولقاء أهالي الشهداء الذين قضوا على يد عاطف نجيب.
جبر الضرر وتخليد الذاكرة
لا يقتصر مسار العدالة الانتقالية على كشف الوقائع ومحاسبة المسؤولين، بل يمتد ليشمل معالجة آثار الانتهاكات على الضحايا وذويهم. في إطار العمل على جبر الضرر، شارك فريق من إدارة جبر الضرر في الهيئة في ورشة عمل مشتركة بدمشق في أيار الماضي، مع الصندوق الدولي للناجين والناجيات، لمناقشة رؤى ومقترحات الضحايا حول سجل الضحايا وآليات التعويض.
يرتبط جبر الضرر ارتباطاً وثيقاً بحفظ الذاكرة الجماعية وتخليد الضحايا، باعتبار الاعتراف بالانتهاكات وتوثيقها جزءاً أساسياً من عملية الإنصاف ومنع تكرار الجرائم. واصلت الهيئة مشاركتها في الفعاليات الهادفة إلى حفظ الذاكرة الوطنية، حيث أقامت بالتعاون مع رابطة الأسلحة الكيميائية فعالية في نيسان المنصرم، لإحياء الذكرى السنوية لمجزرة دوما بالسلاح الكيميائي. كما شاركت في إحياء الذكرى الرابعة عشرة لمجزرة الحولة، ونفّذت وقفة تضامنية لإحياء ذكرى مجزرة البيضا وحي رأس النبع في مدينة بانياس.
التعاون الدولي وتبادل الخبرات
مع اتساع نطاق عمل الهيئة، برزت أهمية الاستفادة من الخبرات الدولية. شهدت الفترة الماضية نشاطاً واسعاً للهيئة على صعيد التعاون الدولي، حيث بحث رئيس الهيئة عبد الباسط عبد اللطيف مع ممثلي فريق الأمم المتحدة التقني المختص بملف حقوق الملكية والسكن والأراضي، في نيسان المنصرم، آفاق التعاون الفني. كما التقى وفوداً، في حزيران الجاري، من الرابطة السورية الأمريكية والمنظمة السورية للطوارئ والكوارث، إضافة إلى القائم بأعمال سفارة اليابان في دمشق، في أيار الماضي، لبحث سبل دعم مسارات العدالة الانتقالية.
وعلى الصعيد الدولي، أجرت الهيئة في تشرين الثاني الماضي زيارة عمل إلى الأرشيف الاتحادي وأرشيف جهاز أمن الدولة السابق “شتازي” في العاصمة الألمانية برلين، ضمن برنامج لتبادل الخبرات. كما شاركت وزارة العدل في ورشة متخصصة حول العدالة الانتقالية في باريس، بينما نظم وفد من الحكومة وبمشاركة عضو الهيئة، في حزيران الجاري، فعالية خاصة بالعدالة الانتقالية على هامش أعمال الدورة الخامسة والثلاثين للجنة منع الجريمة والعدالة الجنائية في فيينا.
لا عفو عن مرتكبي الجرائم الجسيمة
مع تزايد الاهتمام العام بملف العدالة الانتقالية، شددت الهيئة على عدم وجود أي عفو ضمن مسار العدالة الانتقالية عن مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو المشاركين فيها، مؤكدة أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن أي تسويات ذات طابع إداري أو اقتصادي لا ترتبط بمسار العدالة الانتقالية ولا تشكل بديلاً عن المساءلة القضائية.
بين بناء المؤسسات وإطلاق مسارات المحاسبة وكشف الحقيقة، والعمل على جبر الضرر وحفظ الذاكرة، تتبلور ملامح مشروع العدالة الانتقالية في سوريا بوصفه أحد أبرز استحقاقات المرحلة الراهنة. ورغم التحديات، فإن الخطوات التي أُنجزت حتى الآن تعكس توجهاً نحو معالجة إرث الانتهاكات بصورة شاملة، بما يضمن حقوق الضحايا ويعزز أسس دولة القانون وعدم التكرار والمصالحة الوطنية.
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة