رحلة عبر الزمن: ندوة في دمشق تستعرض تاريخ السرطان والسكري من خلال نصوص سورية وعالمية


هذا الخبر بعنوان "الإصابات المرضية عبر العصور: قراءة في نصوص سورية وعالمية تكشف تاريخ السرطان والسكري" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في إطار مشروع توثيق الألواح الكتابية في المتاحف داخل سورية وخارجها، استضاف المتحف الوطني بدمشق ندوة علمية معمقة بعنوان "السرطان وداء السكري في آثار سورية والعالم". قدّم الندوة المؤرخ الدكتور محمود أحمد السيد، وسلط الضوء على نصوص قديمة كشفت عن معلومات طبية متقدمة سبقت عصرها، مما أسهم في رسم ملامح تاريخ الطب على مدى آلاف السنين.
استعرض الدكتور السيد السجل الزمني لظهور مرض السرطان في الكائنات الحية، مشيراً إلى أن الطبيب الإغريقي أبقراط (460-377 ق.م)، أحد أبرز أعلام الطب في التاريخ اليوناني، كان أول من أطلق تسمية "سرطان" على الورم الخبيث. وأوضح أن المرض لم يقتصر على البشر، بل ظهر أولاً لدى الحيوانات.
وفقاً للمعطيات الأثرية الراهنة، تعود أقدم الأورام غير السرطانية إلى حوالي 255 مليون عام، بينما سُجل ظهور الأورام السرطانية قبل 240 مليون عام. وقد وثّقت إحدى الدراسات إصابة سلحفاة بسرطان العظام في عظم الفخذ الأيسر، عُثر على بقاياها في محجر بجنوب غرب ألمانيا، وتُعرض حالياً في متحف كارنيفي للتاريخ الطبيعي.
بيّن السيد أن أقدم إصابة بشرية مؤكدة بالسرطان تعود إلى مليون و700 ألف سنة، واكتُشفت في جنوب أفريقيا. كما تم العثور على بقايا فخذ بشري للإنسان الهومو أوركتوس مصاب بسرطان العظام في مدينة جاوة الإندونيسية خلال القرن التاسع عشر، ويُقدّر تاريخها بحوالي 800 ألف عام قبل الميلاد.
أوضح الدكتور السيد أن الإنسان القديم أُصيب بالسرطان على الرغم من غياب الملوثات الصناعية والمواد البلاستيكية والأغذية المكررة. وعزا ذلك إلى تعامله مع مواد طبيعية مثل القار واستنشاقه لثاني أكسيد الكربون دون حماية، مما قد ينشط الاستعداد الجيني للمرض. كما أشار إلى أن الإصابة قد تعود إلى نقاط ضعف في الطفرات المتأصلة في الحمض النووي، بالإضافة إلى عوامل أخرى كالطفيليات، والعدوى البكتيرية والفيروسية، وأنماط الحياة والبيئة المحيطة. ولفت إلى أن طبيعة المكان والتحولات المناخية عبر العصور كان لها دور في انتشار الأمراض الحميدة والخبيثة.
تطرق السيد إلى بردية إدوين سميث الجراحية (1600-1550 ق.م)، التي احتوت على أقدم وصف طبي لسرطان الثدي، مسجلةً ثماني حالات وواصفةً المرض بعبارة "لا علاج له". وقد اعتمدت هذه البردية منهجاً علمياً دقيقاً في الفحص والتشخيص، مما جعلها حجر الزاوية في علم الجراحة. كما تناول بردية إيبرس (1552 ق.م)، التي قدمت أقدم وصف سريري معروف لداء السكري، مسجلةً حالة تتطابق أعراضها مع السكري الحاد (النوع الأول) وفقاً للطب الحديث.
استعرض الدكتور السيد النصوص المسمارية السورية، التي تُعتبر مصدراً أساسياً لتاريخ العلوم، بما في ذلك الطب والصيدلة. فقد تضمنت هذه النصوص إشارات متقدمة حول تصنيف الأمراض الجلدية والمعدية، وعمليات التعقيم، ومعالجة لدغات الأفاعي، بالإضافة إلى أمراض الأسنان التي قد تؤدي إلى تعفن الدم.
كما عرض قطعاً أثرية سورية كشفت عن إصابات بشرية قديمة بالتهاب الجيوب الأنفية، وأمراض الفكين، وأمراض العظام المعدية مثل التهاب السمحاق، والسل، والتهاب المفاصل العظمي، واندماج الفقرات القطنية، وهشاشة العظام، وفرط التعظم المسامي في الجمجمة.
وأشار السيد إلى نصوص مملكة ماري التي وثّقت أقدم وثيقة مكتوبة تسجل حالة مرض معدٍ وتصف إجراءات الحجر الصحي بدقة متناهية، مما يجعلها أقدم نظام حجر صحي معروف في التاريخ. وتضمنت النصوص أيضاً أسماء 340 نبتة طبية، منها الثوم والبصل والتين، التي استُخدمت في تركيب الأدوية القديمة. كما تناولت نصوص أوغاريت موضوع العقم وأمراض أخرى كانت تهدد حياة البشر.
شهدت الندوة مشاركة لافتة من رئيس مجلس إدارة جمعية العادات الأصيلة، الحرفي عدنان تنبكجي، الذي قدّم منحوتة خشبية تحاكي بدقة تشريحية عظماً بشرياً مصاباً بالسرطان، بأبعاد قريبة من الواقع لحالات ساركوما العظام. أكدت هذه المبادرة على الدور الهام للحرفي في نشر الوعي الصحي، وصناعة صورة حضارية، وتعزيز أهمية الكشف المبكر عن السرطان.
اختتم الدكتور السيد الندوة بالتأكيد على القيمة التاريخية والحضارية للنصوص والآثار الطبية، واصفاً إياها بسجل حي لتجربة إنسانية امتدت عبر ملايين السنين. وأوضح أنها تجسد سعي الإنسان الدائم، منذ أقدم العصور، لفهم الأمراض وتشخيصها وعلاجها، وصولاً إلى الحاضر وفتح آفاق جديدة للمستقبل.
تأتي هذه الندوة ضمن سلسلة فعاليات تنظمها المديرية العامة للآثار والمتاحف، بهدف تعزيز حضور الموروث الحضاري السوري في الأوساط العلمية والثقافية، ودعم مشاريع التوثيق والدراسة التي تحفظ الذاكرة التاريخية لسورية وتبرز دورها في مسيرة المعرفة الإنسانية.
صحة
صحة
صحة
صحة