الأغباني الدمشقي في دوما: حرفة تراثية تحكي تاريخ الغوطة الشرقية


هذا الخبر بعنوان "الأغباني الدمشقي في دوما… حكاية خيطٍ يحفظ ذاكرة المكان" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مدينة دوما، التي تُلقب بعروس الغوطة الشرقية، لا تزال حرفة الأغباني الدمشقي تصارع عوامل الزمن، محافظةً على مكانتها كواحدة من أقدم الصناعات التراثية السورية. تحمل هذه الحرفة في طيات خيوطها ذاكرة اجتماعية وثقافية عريقة تمتد لقرون، وتروي قصص نساء أبدعن في صنع الجمال بدقة وصبر، وحافظن على إرثٍ يلامس هوية المكان.
وقد سلط الباحث في التراث أحمد برهوم الضوء على هذه المهنة الدمشقية الأصيلة من خلال محاضرة نظمتها مؤسسة “حقولنا الخضراء” في المركز الثقافي بجديدة عرطوز يوم الخميس الماضي. أوضح برهوم أن كلمة “الأغباني” ذات أصل تركي وتعني الزخرفة بالقماش، وكانت في بدايتها مخصصة للنخبة من القادة والعلماء والأثرياء، قبل أن تتطور عبر الزمن لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الموروث الشعبي السوري.
وأشار برهوم إلى أن وجود هذه الحرفة في حلب يعود إلى ما يزيد عن خمسمئة عام، ثم انتقلت إلى دمشق وريفها عبر مدينة دوما، بوساطة عائلتي الباني والآغا، وفقاً لما تشير إليه مصادر متعددة. وأكد برهوم أن مدينة دوما كانت من أهم حاضنات صناعة الأغباني في سوريا، حيث تجاوز عدد ماكينات الأغباني فيها قبل عام 2011 خمسة عشر ألف ماكينة، قبل أن تشهد تراجعاً حاداً تحت وطأة القصف والحصار الذي تعرضت له المدينة.
وتوقف برهوم عند مراحل تطور عمل الأغباني، موضحاً أنها بدأت باستخدام الطارة الخشبية والإبر اليدوية الشبيهة بالكنفة، قبل ظهور الماكينات الحديثة. كما شهدت المواد المستخدمة تحولاً من الحرير الطبيعي إلى الأقمشة القطنية والساتان، مع استخدام التطريز بالخيوط الذهبية والفضية.
واستعرض برهوم الأدوات الأساسية للحرفة، مثل المكوك والكركر والطيار الخشبي، مشيراً إلى أن الماكينات كانت تُعرف خلال الحكم العثماني بـ”ماكينات اللفات” نظراً لاستخدامها في زخرفة لفات طرابيش المشايخ والأئمة.
وفيما يتعلق بالطباعة والزخرفة، أوضح برهوم أن القماش كان يُطبع قديماً باستخدام الحجر والرمل، قبل أن تتطور العملية لتشمل القوالب النحاسية والخشبية. ولفت إلى تنوع الرسومات التقليدية التي تشمل عرق الورد، وكف الورد، والفراشة، والشمعة، واللوزة، والحجب، وسقف القاعة. وتُنفذ هذه الرسومات على أطقم الطاولات، والمحارم، والشراشف، والطرابيش، والمناشف، وأقمشة الفساتين، والعبي، والسراويل بأساليب متعددة.
نوّه برهوم بالدور الجوهري الذي لعبته نساء دوما في استمرارية هذه الصناعة، حيث ساهمت عائداتها في تعليم الأبناء وتجهيز جهاز البنات. وكانت المشغولات تُسلّم إلى تجار سوقي الحميدية والحرير في دمشق، ضمن شبكة إنتاجية ربطت البيوت الريفية بأسواق العاصمة.
كما أشار إلى ظهور ورشات متخصصة لصيانة ماكينات الأغباني، عُرفت باسم “البندقجي” ولاحقاً “ماكنجي”. وذكر أبرز العائلات التي اشتهرت بهذه المهنة في دوما، وهي آل مجيد، والحتاوي، وطالب، والشيخ عرابي.
ودعا برهوم إلى ضرورة الحفاظ على هذا التراث غير المادي وإحيائه، ليبقى شاهداً على مهارة السوريين وقدرتهم على تحويل الخيط إلى ذاكرة والزخرفة إلى هوية. وأعرب عن أمله في تسجيل هذه الحرفة ضمن لوائح التراث العالمي في منظمة اليونسكو.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة