إصلاح البناء المؤسسي في سورية: ضرورة عاجلة لإلغاء الوظائف غير القانونية واستكمال المجلس التشريعي


هذا الخبر بعنوان "إصلاح البناء المؤسسي في سورية ضرورة عاجلة : إلغاء وظائف بلا سند قانوني، واستكمال مجلس الشعب، وإنشاء هيئة تشريعية انتقالية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة، مدير المركز السوري للدراسات القانونية
تستند القاعدة الأساسية لشغل وظائف الدولة إلى توصيف المهمة وفق الأسباب الموجبة لإحداثها، وتحديد شروط شاغليها بما يتلاءم مع طبيعة الوظيفة. إلا أن النظام السوري السابق لم يلتزم بهذه القاعدة، بل عبث بها، مما أدى إلى تفريغ المؤسسات من مضمونها. ومن بين هذه التجاوزات، تم الخلط المتعمد بين المجالس المحلية ومكاتبها التنفيذية من جهة، وبين مجلس الشعب أو السلطة التشريعية من جهة أخرى، مما خلق انطباعًا بأن المؤسسات المنتخبة تؤدي الوظيفة ذاتها، في حين أن لكل منها طبيعة قانونية مختلفة، واختصاصات مستقلة، وآلية تشكيل تتناسب مع المهام التي أُنشئت من أجلها.
• المكاتب التنفيذية: هي أجهزة تنفيذية محلية تُنتخب من أعضاء المجالس المحلية وفق قانون الإدارة المحلية، وتتولى إدارة الشؤون الخدمية والتنموية ضمن نطاق اختصاصها.
• أما مجلس الشعب: فهو المؤسسة التي تستمد شرعيتها من الانتخاب المباشر من الشعب، وتمارس اختصاصاتها وفق أحكام الدستور والنظام الداخلي للمجلس، وتشمل مهامها الدستورية الرقابة على السلطة التنفيذية، وسن التشريعات وتعديلها وإلغاؤها، والمشاركة في رسم السياسات العامة للدولة.
لقد تعمد النظام السابق طمس الحدود الفاصلة بين هاتين المؤسستين، سواء في طريقة تشكيلهما أو في طبيعة اختصاصاتهما، مما أدى إلى تشويه دور كل منهما، وإضعاف التمييز بين الوظيفة التشريعية والتنفيذية. كما أفضى هذا الخلط إلى تغييب المعايير القانونية والمؤسسية اللازمة لبناء مؤسسات فاعلة، وجعل آليات الانتخاب والتشكيل عاجزة عن إنتاج هيئات قادرة على الاضطلاع بمهامها.
تقف سورية اليوم أمام مرحلة بالغة التعقيد في تاريخها الحديث، فهي لا تواجه أزمة سياسية فحسب، بل تعاني أيضًا من انهيار اقتصادي واجتماعي، ومن إرث تشريعي ضخم صيغ جانب كبير منه لخدمة الاستبداد، وتركيز السلطة، واحتكار الاقتصاد، وإضعاف سيادة القانون. وجاءت المرحلة الانتقالية بما رافقها من إعلان دستوري، وما أثاره من إشكالات قانونية، فضلًا عن آلية تشكيل المجلس التشريعي، مما ساهم في إنتاج تعقيدات دستورية وتشريعية جديدة قد تنعكس سلبًا على مستقبل الدولة السورية.
من هنا، فإن معالجة هذا الإرث القانوني مسألة بالغة الأهمية، وتتطلب هيئة تشريعية تمتلك الكفاءة والخبرة اللازمة للقيام بهذه المهمة، وإعداد منظومة قانونية تسهم في الانتقال إلى مرحلة دستورية دائمة. لذا، يرى الكاتب أن على القيادة الحالية التمييز، في التكوين، بين المجالس التنفيذية ذات الطابع التمثيلي، وبين المجلس التشريعي ذي الطبيعة السيادية والتشريعية، وهذا يقتضي القيام بثلاثة إجراءات أساسية:
ويقتصر عمل هذا المجلس التشريعي المؤقت على مراجعة وتعديل الإعلان الدستوري بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الانتقالية، وتحديد وتعليق العمل بالقوانين والمواد القانونية التي كرست الاستبداد أو أعاقت التنمية وسيادة القانون، وإعداد وإقرار القوانين الأساسية الخمسة التالية: قانون مجلس النواب، قانون الأحزاب السياسية، قانون الانتخابات العامة، قانون العزل السياسي، وقانون العدالة الانتقالية.
تُعد هذه القوانين مجتمعة حجر الأساس لبناء دولة القانون، وتمهد لانتقال سياسي جاد ومستقر، شريطة أن تُبنى على أسس قانونية واضحة تراعي تنظيم شكل السلطة التشريعية، وتأسيس حياة حزبية حقيقية تقوم على التعددية، ومنح الشرعية للمؤسسات المنتخبة عبر ضمان نزاهة الانتخابات، واعتماد قانون العزل السياسي كأداة لحماية المرحلة الانتقالية، وإنشاء قانون العدالة الانتقالية لمعالجة آثار المرحلة السابقة.
يبقى السؤال حول قدرة القيادة الحالية على استدراك ما تم العمل عليه خلال المرحلة الماضية، وإعادة توجيه مسار المرحلة الانتقالية بما ينسجم مع مبادئ بناء الدولة الحديثة، وذلك من خلال مسارين متوازيين: الإسراع في تشكيل المجالس المحلية المنتخبة وما ينبثق عنها من مكاتب تنفيذية، وتشكيل هيئة تشريعية انتقالية تتمتع بالكفاءة والخبرة لتمهيد الطريق لإقرار الإطار الدستوري والقانوني اللازم للانتقال إلى المؤسسات الدائمة.
عندها، تصبح المرحلة الانتقالية جسرًا تعبر من خلاله سورية نحو الشرعية الدستورية الدائمة، وبناء المؤسسات، وتوزيع السلطات، وسيادة القانون، ودولة تحكمها المؤسسات والقواعد الدستورية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة