جنوب سوريا ساحة تقاطع المصالح الإقليمية: إسرائيل توسع نفوذها وإيران تعود عبر "أولي البأس"


هذا الخبر بعنوان "جنوب سوريا يدخل معادلة لبنان… إسرائيل توسّع نفوذها وإيران تعود عبر “أولي البأس”" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ حزيران ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجاوز التحركات الإسرائيلية الأخيرة في قرية عابدين ومحيط جملة ووادي الرقاد وتلة المغر كونها مجرد توغل جديد في جنوب سوريا، بل تعكس تحولاً واضحاً في طبيعة التحرك الإسرائيلي على طول الشريط الحدودي. فبعد أسبوع من العمليات المتلاحقة في ريفي درعا والقنيطرة، يبدو أن إسرائيل تنتقل من سياسة التوغلات المحدودة إلى إدارة المشهد الأمني اليومي، مختبرةً قدرة السكان، والأندوف، والسلطة السورية، والفاعلين المحليين على الاعتراض على قواعد حركة جديدة تسعى لفرضها قبل نضوج أي تسوية سياسية.
يكشف تسلسل الأحداث نمطاً متكرراً بدأ بدخول آليات عسكرية، وإقامة حواجز مؤقتة، وتفتيش منازل، واستجواب مارّة، واحتجاز مدنيين لساعات، قبل التمركز في مواقع مرتفعة، ثم الانسحاب أو الإبقاء على وجود محدود تبعاً للظروف الميدانية. في محور عابدين – جملة، تمركزت قوات إسرائيلية في تلة المغر، وأقامت حاجزاً على الطريق المؤدي إلى جملة، قبل أن تحتك مباشرة بالأهالي الذين أغلقوا الطريق بالحجارة أمام الدوريات العسكرية. وسرعان ما تطور المشهد إلى إطلاق نار وقصف مدفعي واستهداف بالمروحيات، بالتزامن مع نزوح عدد من سكان القرية إلى مناطق مجاورة. وفي الوقت نفسه، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل مسلحين اثنين داخل ما يسميه “المنطقة الأمنية” في جنوب سوريا، دون الكشف عن هويتهما. وذكرت مصادر عبرية أن العملية وقعت قرب بلدة الخضر، على بعد نحو كيلومتر واحد من الحدود، وأن الجثتين أصبحتا بحوزة الجيش الإسرائيلي.
بغض النظر عن الرواية الإسرائيلية، يبدو الجنوب السوري اليوم ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية متعددة، تتقدم فيها إسرائيل وتركيا، فيما يعود الحضور الإيراني تدريجياً إلى الواجهة عبر حلفائه المحليين. وخلال الأسابيع الماضية، نشرت “حركة ثوار الجنوب 2011” سلسلة تقارير تحدثت عن نشاط تركي واسع في درعا، شمل شبكات إعلامية وتجارية وتحركات لاستقطاب شخصيات محلية، وربطت زيارة الشيخ محمود الحسنات بمحاولات للتقريب بين حركة “حماس” و”أولي البأس”. في المقابل، ينفي مصدر قيادي في “أولي البأس” وجود أي مساع “للتقارب مع جماعة الإخوان المسلمين”، لكنه يؤكد أن المسلحين اللذين قُتلا في العملية الإسرائيلية “ينتميان إلى الجماعة”.
شهد خطاب “أولي البأس” تحولاً لافتاً خلال الأيام الأخيرة. فبعد أشهر من الحرص على إظهار مسافة بينها وبين “محور المقاومة”، عاد الناطق العسكري النقيب مقداد إلى إعلان الوقوف إلى جانب “حزب الله”. ويؤكد المصدر القيادي أن العلاقة مع إيران و”حزب الله” تمثل “تحالفاً استراتيجياً وندياً بامتياز، وليس تبعية أو ارتهاناً لأحد”. ويضيف أن أي دخول لـ”قوات أحمد الشرع” إلى لبنان، تحت أي عنوان، سيدفع “أولي البأس” إلى “التدخل عسكرياً بشكل مباشر وواسع النطاق وبكل ثقلها داخل الساحة السورية وخارجها، مساندة لمحور المقاومة”. لكن في المقابل، يستبعد المصدر تدخل الجيش السوري في لبنان، معتبراً أن إسرائيل “تريد تنفيذ هذه المهمة بنفسها”.
تواصل دمشق اعتبار التحركات الإسرائيلية خرقاً لاتفاق فض الاشتباك، في حين تتصرف إسرائيل على أساس أن الاتفاق فقد مفاعيله بعد سقوط نظام بشار الأسد. وبين الموقفين تتسع الفجوة، مع استمرار الجيش الإسرائيلي في تكريس وقائع ميدانية جديدة تشمل إنشاء طرق عسكرية، ونقاط مراقبة، وخياماً لقوات المشاة، ونشر قناصين، وتنفيذ عمليات تفتيش داخل القرى الحدودية. وفي هذا السياق، تحدث قائد كتيبة “عيت” المختصة بجمع المعلومات عن تنفيذ عمليات يومية داخل الأراضي السورية، معتبراً أن ما يجري يندرج ضمن سياسة “قتل الأشياء وهي صغيرة”، أي القضاء على أي مؤشر تهديد قبل تحوله إلى خطر فعلي، بحسب ما نقلت صحيفة ” مكور ريشون” العبرية. وأشار الضابط أيضاً إلى “إنشاء عشرة مواقع إسرائيلية منذ سقوط الأسد”، إضافة إلى تنفيذ عمليات تفتيش واستجواب بصورة شبه يومية، وفرض قيود واضحة على تحركات قوات السلطة الانتقالية في المناطق القريبة من الحدود. وتشير هذه المعطيات إلى أن التحرك الإسرائيلي خرج من إطار الاستجابة للمتغيرات الميدانية، وأصبح جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تكريس المنطقة الأمنية وفرضها تدريجياً كأمر واقع.
تنظر تركيا إلى التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري باعتبارها محاولة لمنع قيام سلطة مركزية قوية في سوريا، والحيلولة دون تمركز أي بنية عسكرية سورية قرب الجولان والجليل وجبل الشيخ. وحذر تقرير نشره موقع “T24” التركي من أن إسرائيل ترسم حدوداً ميدانية جديدة في جنوب سوريا، فيما تتوسع المنطقة العازلة تدريجياً، متسائلاً عما إذا كان نموذج جنوب لبنان يتكرر في الجنوب السوري. وسبق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن أكد أن أمن بلاده يبدأ من أمن حلب ودمشق وبيروت، في إشارة إلى المصالح التركية في هذه الساحات، بما يضعها في تماس مباشر مع الحسابات الإسرائيلية. وفي هذا السياق، جاء اعتراف الحكومة الإسرائيلية بالإبادة التي ارتكبتها تركيا بحق الأرمن ليرفع مستوى التوتر السياسي بين البلدين، بالتزامن مع التصعيد الميداني في الجنوب السوري.
في المقابل، يزداد الغموض في الموقف الأميركي، ولا سيما موقف الرئيس دونالد ترامب، مع تداخل مسارات التفاهمات الإقليمية. فبعدما أصبح لبنان جزءاً من التفاهم الأميركي – الإيراني، جاء الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل ليربط الانسحاب الإسرائيلي عملياً بمسألة نزع سلاح “حزب الله”. وفي الوقت نفسه، لا يزال الهدف من تكرار ترامب الحديث عن دور سوري في لبنان غير واضح، رغم الرفض السوري المعلن لهذه الفكرة، سواء جاء ذلك في إطار موازنة العلاقة بين أنقرة وتل أبيب داخل سوريا، أو ضمن سياق آخر يرتبط بالتحركات الإسرائيلية. وتبدو عابدين، في ضوء هذه التطورات، أكثر من محطة ميدانية عابرة. فهي تمثل نقطة تقاطع تمتد من الجولان والقنيطرة وحوض اليرموك إلى الجنوب اللبناني، وتتصل بمسار التفاوض الأميركي مع إيران. ومع استمرار إسرائيل في رسم قواعد الحركة على الأرض، تتداخل الحسابات الأميركية والتركية والإيرانية في رسم ملامح المرحلة المقبلة على امتداد الجنوبين السوري واللبناني.
علوم وتكنلوجيا
اقتصاد
سياسة
سياسة