إعادة إحياء التراث السوري: جسر بين الماضي الرقمي ومستقبل الهوية الشبابية


هذا الخبر بعنوان "الاستثمار في التراث.. كيف نعيد تشكيل علاقة الشباب بتراثهم؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُدرك كل من يتعامل مع التراث السوري عن كثب عمق تنوعه الحضاري وذاكرته الإنسانية الضاربة في التاريخ، كإرث حي توارثه السوريون عبر آلاف السنين. ومع ذلك، أصبحت المنصات الإلكترونية المؤثر الأكبر في تشكيل الأفكار، مما يضع هذا التراث الغني مادياً ولا مادياً أمام تحدٍ يتمثل في قدرته على البقاء حياً في وجدان الشباب، وسط تحولات ثقافية وسلوكية طالت علاقتهم بالماضي وبكل ما هو محلي. لذا، فإن إعادة تقديم التراث بلغة العصر، ودور المؤسسات التعليمية والثقافية في بناء جسور بين هذا الموروث وجيل يتعامل مع الرقمنة كأساس للحياة، وتوفير الصورة كأداة رئيسة للتواصل، كلها محاور ترتبط بقضية تحويل التراث من إرث تاريخي إلى مورد اقتصادي وثقافي قادر على تلبية احتياجات الشباب والاستجابة لتساؤلاتهم المرتبطة بهويتهم.
رفع مستوى الوعي
يرى الدكتور محمود الغفري، نائب عميد كلية السياحة في جامعة دمشق، أن مستوى الوعي لدى الشباب واليافعين تجاه التراث والمواقع الأثرية لا يزال دون المستوى المطلوب. ويوضح، في حديث لـ “الثورة السورية”، أن معظم الشباب يتجهون نحو المجالات التي توفر فرص عمل سريعة ومردوداً مباشراً، في حين يحتاج التراث إلى عناية وإدارة وحماية على المدى الطويل. ويقول الغفري: إن تعزيز علاقة الشباب بالتراث يبدأ من رفع مستوى الوعي عبر ورشات العمل والدورات التدريبية والبرامج الإعلامية، إضافة إلى إدخال مفاهيم التراث السوري ضمن المناهج الدراسية منذ المراحل المبكرة. ويضيف: “عندما يعرف الطالب أن سوريا قدّمت للعالم أول أبجدية، وأن أرضها احتضنت حضارات تركت بصمتها في التاريخ الإنساني، فإنه سيشعر بقيمة هذا الإرث وأهمية الحفاظ عليه”.
من جهته، يؤكد المهندس المعماري أحمد حسن قويدر لـ “الثورة السورية” أهمية الوعي المبكر بأهمية التراث، ويربط المسألة بالتحولات الثقافية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة. ويرى أن التراث الشعبي لا يزال امتداداً طبيعياً لهوية الأجيال السابقة، إلا أن الثورة الرقمية أدت إلى تراجع الارتباط المحلي لدى بعض الشباب بهذا التراث نتيجة الانفتاح الواسع على ثقافات العالم المختلفة. ويوضح أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أسهمت من جهة في حفظ التراث ونشره عالمياً، لكنها من جهة أخرى خلقت حالة من “الاغتراب الثقافي” لدى بعض الشباب الذين باتوا أكثر التصاقاً بالمحتوى الرقمي العالمي من ارتباطهم بموروثهم المحلي.
مورد اقتصادي وثقافي
يؤكد الغفري أن حماية التراث لا تنفصل عن تحقيق الفائدة الاقتصادية للمجتمع المحلي. ويوضح أن الشاب عندما يدرك أن الموقع التراثي يمكن أن يكون مصدراً لفرص العمل في مجالات الإرشاد السياحي والتسويق والإدارة، فإنه يصبح أكثر حرصاً على الحفاظ عليه. ويضيف: “إذا لم يشعر المجتمع بأنه يستفيد من القطاع السياحي فلن يكون معنياً بحماية المواقع التراثية، لذلك يجب ربط التراث بالتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل”.
من جهة أخرى، تراجع اهتمام بعض الأجيال الجديدة بالتراث يرتبط أيضاً بتغير مصادر المعرفة بحسب القويدر. فبعد عام 2000، تراجع دور الأسرة أو المدرسة كمصدر أساسي في تشكيل الوعي، مقارنة بدور المنصات الرقمية والمحتوى الإلكتروني الذي أصبح المؤثر الأكبر في اهتمامات الشباب وأفكارهم. وفي ظل هذا الانتشار المؤثر للمنصات، يشير القويدر إلى أن الحفاظ على الهوية الثقافية بات أكثر تعقيداً، ما يستدعي تقديم التراث بصورة حديثة وجاذبة تواكب لغة العصر من دون أن تفقده أصالته.
التراث الشعبي
التراث الشعبي أو “الفولكلور” هو مجمل الموروث الثقافي والاجتماعي من عادات، وتقاليد، وفنون، وقصص، وحرف، وينتقل من جيل إلى جيل غالباً عبر الرواية الشفهية أو الممارسة العملية، ليمثل الهوية الوطنية والتاريخية للمجتمع ويعبر عن شخصيته. وعن سبل إعادة تقديم هذا التراث للأجيال الجديدة، يوضح الغفري أن “الأصالة تختلف عن طريقة العرض”، مؤكداً إمكانية استخدام أساليب حديثة للتعريف بالحرف التقليدية وصناعة النسيج والعود والنحاسيات والمطبخ السوري من دون المساس بجوهرها. ويشير إلى أهمية الإعلام والدراما في هذا المجال، مستشهداً بتجارب نجحت في تحويل أماكن تراثية إلى مقاصد سياحية بعد تسليط الضوء عليها فنياً وإعلامياً. كما يدعو إلى دمج عناصر التراث اللامادي داخل المطاعم والمنشآت السياحية والمقاهي باعتبارها جزءاً من المنتج السياحي الوطني.
بدوره، يؤكد القويدر أن إعادة تقديم التراث بأساليب معاصرة أصبحت ضرورة وليست خياراً، نظراً لتفاعل الجيل الحالي مع الصورة الرقمية والتقنيات الحديثة أكثر من أي وسيلة أخرى. لذلك، ينبغي توظيف وسائل التواصل الاجتماعي والواقع الافتراضي والواقع المعزز لإيصال قصص التراث إلى الشباب بطريقة تناسب اهتماماتهم. ويشدد الغفري في هذا السياق، على ضرورة تعريف الأطفال بالمواقع الأثرية منذ الصغر عبر الرحلات المدرسية والجولات الميدانية، إضافة إلى تخصيص مناهج تعليمية تتناول التراث السوري بشكل مباشر. ويتقاطع هذا الرأي مع ما يطرحه القويدر، عن دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية التي تشكل معاً منظومة متكاملة لصناعة الوعي الثقافي. ويرى أن رفع مستوى المعرفة لدى الأهل ينعكس مباشرة على اهتمام الأطفال بموروثهم الثقافي، فيما تسهم الأنشطة المدرسية والمسرحية والمسابقات التراثية في ترسيخ هذا الارتباط.
الشغف والمعرفة
بالنسبة للطالبة نعمة الله محيي الدين، وهي طالبة سنة رابعة في اختصاص الإدارة السياحية، بدأت العلاقة مع التراث كهواية وحب للمواقع الأثرية، لكنها تحولت إلى شغف أعمق بعد دخولها كلية السياحة. توضح ذلك بأنها كانت تحب التعرف على المناطق الأثرية في سوريا، لكن الدراسة جعلتها تكتشف أن التراث أعمق بكثير من كونه اهتماماً أو هواية. وتقول: “عندما بدأت أتعرف إلى تاريخ الأماكن وما شهدته من أحداث، أصبحت أشعر أن لكل موقع قصة تستحق الاكتشاف”. وتضيف خلال حديثها لـ “الثورة السورية” أن ما يجذبها في المواقع الأثرية الأسئلة التي تثيرها حول طريقة بنائها والأسرار الكامنة وراء عظمتها. وتستشهد بالمسجد الأموي الذي ترى في كل زاوية منه “حكاية خاصة تنقل الزائر إلى حقب تاريخية مختلفة”. كما تحدثت عن رحلة دراسية إلى دير السيدة في صيدنايا، مؤكدة أن الأجواء الروحانية التي عاشتها هناك جعلتها تشعر بقرب أكبر من التراث وغناه الثقافي والإنساني.
أما آية حلاج، الطالبة في السنة الثالثة بقسم إدارة المنشآت السياحية، فتؤكد لـ “الثورة السورية” أن دراستها غيّرت نظرتها إلى التراث السوري بصورة شاملة. وتقول: “كنت أعرف قبل دخولي الكلية أن سوريا مهد الحضارات وتضم مواقع أثرية مهمة، لكن الدراسة جعلتني أدرك أن لكل مكان قصة، وأن الحضارات التي مرت على هذه الأرض تركت إرثاً استثنائياً”. وتضيف، أن أكثر ما يلفت انتباهها هو قدرة الحضارات القديمة على بناء هذا الكم الهائل من المعالم العمرانية باستخدام أدوات بسيطة مقارنة بما هو متاح اليوم، معتبرة أن ذلك يعكس عبقرية الإنسان القديم وإبداعه.
من جانبه، يوضح الطالب عدي علاء الدين، من قسم الإدارة السياحية في السنة الثالثة، لـ “الثورة السورية” أن حبه للآثار كان السبب الأساسي في اختياره دراسة السياحة. ويقول: “ما يجذبني للتراث أن سوريا مليئة بالحضارات المتعاقبة، وكل موقع أثري يفتح أمامنا بوابة جديدة لفهم التاريخ والتعرف إلى الشعوب التي عاشت هنا وتركت أثرها”. وشمل اهتمام علاء الدين التراث المادي، والتراث اللامادي الذي يراه جزءاً أساسياً من الهوية السورية، مشيراً إلى عناصر مثل صابون الغار، والوردة الدمشقية، وصناعة العود، والرقصات الشعبية، والحرف التقليدية التي تميز دمشق وحلب ومختلف المناطق السورية.
يبقى التراث السوري بحاجة إلى إعادة تقديم تتناسب مع تحولات العصر الرقمي، من دون أن يفقد روحه وجوهره. وهذا التحدي يكمن في قدرة المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية على بناء جسور بين الموروث وجيل يعيش في فضاءات رقمية مختلفة تماماً عن بيئة نشأة هذا التراث.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة